في ظل الحرب.. ما المخاطر الإنسانية والقانونية لمزدوجي الجنسية في إيران؟
في ظل الحرب.. ما المخاطر الإنسانية والقانونية لمزدوجي الجنسية في إيران؟
تتصاعد المخاوف بشأن أوضاع مزدوجي الجنسية الأمريكية الإيرانية في طهران، في ظل تقارير تؤكد احتجاز ما لا يقل عن ستة أشخاص يحملون الجنسية الأمريكية أو الإقامة الدائمة، وسط تقديرات تشير إلى وجود آلاف آخرين داخل البلاد معرضين لخطر الاعتقال وانتهاك حقوقهم الإنسانية والقانونية.
تأتي هذه التطورات في سياق توتر عسكري وسياسي متسارع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ما يثير تساؤلات جدية حول استخدام هؤلاء الأفراد بوصفهم ورقة ضغط سياسية.
وبحسب منظمات مدافعة عن المعتقلين، فإن هؤلاء الأشخاص، رغم تحذيرات السفر الأمريكية المتكررة، ظلوا في إيران بسبب روابط عائلية واجتماعية عميقة، ما جعلهم في مرمى تداعيات الصراع الجيوسياسي، لافتة أيضاً أن غياب الاعتراف الإيراني بالجنسية المزدوجة يضع هؤلاء في وضع قانوني هش، إذ تُعاملهم السلطات بوصفهم مواطنين إيرانيين فقط، ما يحرمهم من أي حماية دبلوماسية خارجية.
تعود جذور هذه الأزمة إلى عقود، حيث ارتبطت العلاقات بين واشنطن وطهران منذ أزمة الرهائن عام 1979 حين احتجز الثوار 52 دبلوماسياً أمريكياً لمدة 444 يوماً، بالإضافة إلى احتجاز 14 مواطناً آخرين بنمط من التوترات الحادة ومنذ ذلك الحين، وثقت منظمات حقوقية حالات متعددة لاحتجاز مواطنين مزدوجي الجنسية بتهم تتعلق بالتجسس أو التعاون مع حكومات أجنبية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن هذا النمط لم يتغير، بل تطور ليصبح أداة ضمن أدوات الضغط السياسي، وتؤكد مؤسسة فولي للدفاع عن حقوق الإنسان أن "تاريخ النظام الإيراني في استغلال الأمريكيين لأغراض سياسية قائم منذ زمن طويل"، ما يعكس استمرارية هذه السياسة عبر السنوات.
انتهاك للقانون الدولي وحقوق الإنسان
تثير هذه القضية إشكاليات قانونية معقدة، إذ يُعد احتجاز الأفراد لأغراض سياسية أو استخدامهم في صفقات تبادل انتهاكًا واضحًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما يتعلق بحظر أخذ الرهائن.
وتنص اتفاقيات جنيف على حماية المدنيين من الاحتجاز التعسفي، في حين تؤكد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان -ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية- الحق في الحرية والأمان الشخصي والمحاكمة العادلة.
وقد صنفت الولايات المتحدة إيران مؤخرًا دولة راعية للاحتجاز غير القانوني، وهي خطوة قد تفتح الباب أمام إجراءات دبلوماسية وقانونية أكثر صرامة، إلا أن فعالية هذه الإجراءات تبقى محل تساؤل في ظل غياب آليات تنفيذ دولية ملزمة.
معاناة داخل السجون وخارجها
داخل سجن إيفين في طهران الذي يُعد من أبرز رموز احتجاز السجناء السياسيين، يقبع عدد من مزدوجي الجنسية في ظروف توصف بالصعبة، منهم شهاب دليلي المعتقل منذ عام 2016، والصحفي رضا ولي زادة، إضافة إلى كمران حكمتي الذي يعاني من مرض السرطان.
وتشير تقارير إلى أن بعض هؤلاء المعتقلين يواجهون تهماً فضفاضة مثل "التعاون مع حكومة معادية" أو "التجسس"، وهي اتهامات غالبًا ما تُستخدم، بحسب منظمات حقوقية، وسيلة لإضفاء طابع قانوني على الاحتجاز.
أما على المستوى الإنساني، فتعيش عائلات المعتقلين حالة من القلق المستمر، وسط غياب معلومات واضحة عن مصير ذويهم، وصعوبات في التواصل معهم أو تأمين تمثيل قانوني مناسب.
ردود الفعل حقوقية ودولية
أعربت منظمات حقوقية دولية، مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، عن قلقها البالغ إزاء هذه الممارسات، معتبرة أنها ترقى إلى مستوى الاحتجاز التعسفي، كما دعت إلى الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين الذين لم تثبت بحقهم تهم جنائية عادلة.
في المقابل، أكدت الإدارة الأمريكية أن استعادة المواطنين المحتجزين تمثل أولوية، مشيرة إلى الإفراج عن أكثر من 70 أمريكيًا منذ بداية عام 2025، إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة قد تعقّد هذه الجهود، خاصة مع تزايد احتمالات التصعيد.
وسبق أن حذرت الخارجية الأمريكية المواطنين من مزدوجى الجنسية (الأمريكية-الإيرانية) من خطر استخدام الجوازات الأمريكية، مؤكدة أن طهران لا تعترف بالجنسية المزدوجة وستتعامل معهم بوصفهم مواطنين إيرانيين.
وأشارت إلى أن مجرد إظهار صلات بالولايات المتحدة قد يمثل ذريعة كافية للاعتقال أو الاستجواب من قبل السلطات الإيرانية.
تداعيات الصراع: المخاطر تتزايد
مع تصاعد العمليات العسكرية بين إيران وخصومها، تتزايد المخاوف من استخدام المعتقلين وسيلة رد غير مباشر، ومثل هذه الظروف ترفع من مستوى الخطر على المحتجزين، خاصة في ظل احتمالات انهيار سلاسل القيادة أو اتخاذ قرارات تصعيدية.
كما أن استهداف مواقع داخل إيران، ومنها سجن إيفين خلال ضربات سابقة، يضيف بعدًا جديدًا من الخطر، حيث قد يتحول المعتقلون إلى ضحايا عرضيين في النزاع.
غموض يحيط بالأرقام
لا توجد إحصاءات دقيقة لعدد مزدوجي الجنسية الأمريكية الإيرانية في إيران، إلا أن تقديرات غير رسمية تشير إلى وجود المئات، وربما الآلاف، ويعكس هذا الغموض صعوبة الوصول إلى بيانات موثوقة، خاصة في ظل القيود المفروضة على المعلومات داخل البلاد.
كما أن وزارة الخارجية الأمريكية أقرت بعدم امتلاكها أرقامًا دقيقة، ما يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى تقديم الدعم أو التدخل.
وسيلة للضغط السياسي
تُظهر تجارب السنوات الماضية أن مزدوجي الجنسية، خصوصًا الأمريكيين الإيرانيين، أصبحوا جزءًا من معادلات الضغط السياسي بين الدول، حيث يُستخدم احتجازهم وسيلة غير مباشرة للتفاوض في ملفات أوسع مثل العقوبات أو تبادل السجناء، وفي إيران برزت هذه الظاهرة في عدد من القضايا التي وُجهت فيها اتهامات بالتجسس أو “التعاون مع حكومات معادية” لأشخاص عادوا لأسباب عائلية أو إنسانية، قبل أن تتحول ملفاتهم إلى أوراق تفاوض، ويُعد الإفراج عن بعض المعتقلين في صفقات تبادل بين طهران وواشنطن مثالًا واضحًا على هذا النمط، حيث تم في أكثر من مناسبة إطلاق سراح مواطنين مزدوجي الجنسية مقابل إفراج متبادل أو تخفيف قيود مالية، ما يعزز فرضية توظيفهم سياسيًا.
ولا تقتصر هذه الممارسة على الحالة الإيرانية فقط، بل تتكرر في سياقات دولية أخرى، ما يعكس نمطًا أوسع من “دبلوماسية الرهائن”، ففي بعض الحالات، يتم توقيف أفراد يحملون جنسيات مزدوجة عند دخولهم بلدانهم الأصلية، ثم يُحتجزون لفترات طويلة دون محاكمات شفافة، قبل أن يُطرح ملفهم في مفاوضات سياسية أو أمنية، وهذا الاستخدام يثير انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان التي تعده انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، إذ يتم تحويل الأفراد إلى أدوات تفاوض، ما يقوض مبدأ العدالة ويزيد من معاناة الأسر، ويخلق حالة من الخوف الدائم لدى الجاليات ذات الروابط العابرة للحدود.
تتجلى ظاهرة استغلال مزدوجي الجنسية في المساومات السياسية بوضوح من خلال عدد من الحالات الموثقة، أبرزها قضية المواطن الأمريكي الإيراني سيامك نمازي ووالده باقر نمازي اللذين احتجزتهما إيران لسنوات بتهم تتعلق بالأمن القومي، قبل أن يُفرج عنهما ضمن صفقة تبادل سجناء بين طهران وواشنطن عام 2023 شملت الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، كما تُعد قضية الصحفي الأمريكي الإيراني جيسون رضائيان الذي اعتُقل عام 2014 مثالًا بارزًا، إذ أُطلق سراحه في 2016 ضمن صفقة تبادل تزامنت مع تنفيذ الاتفاق النووي، ما عزز الربط بين قضايا الأفراد والتفاهمات السياسية الكبرى، وفي حالات أحدث، مثل رضا ولي زاده، تشير المعطيات إلى نمط متكرر من توجيه تهم فضفاضة تمهيدًا لاستخدام المعتقل بوصفه ورقة ضغط محتملة.
ولا تقتصر الأمثلة على إيران، إذ شهدت دول أخرى ممارسات مشابهة تعكس نمط “دبلوماسية الرهائن”، ففي الصين تم احتجاز الكنديين مايكل كوفريغ ومايكل سبافور عام 2018، في خطوة اعتُبرت ردًا على توقيف مسؤولة شركة هواوي في كندا، قبل الإفراج عنهما لاحقًا بالتزامن مع تسوية القضية، وفي روسيا برزت قضية لاعبة كرة السلة الأمريكية بريتني غراينر التي احتُجزت عام 2022، ثم أُفرج عنها في صفقة تبادل مع واشنطن شملت سجينًا روسيًا، ما يعكس بوضوح استخدام الأفراد أدوات تفاوض سياسي، هذه الأمثلة المتكررة تعزز ما تذهب إليه المنظمات الحقوقية من أن احتجاز مزدوجي الجنسية لم يعد مجرد إجراء قانوني داخلي، بل أصبح جزءًا من استراتيجيات الضغط بين الدول.
صفقات لتبادل الرهائن
وقد أبرمت ثلاث إدارات أمريكية متتالية أربع صفقات لتبادل الرهائن مع إيران، في عهد الرئيس أوباما، وبوصفها جزءاً من الاتفاق النووي المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة"، أُطلق سراح جيسون رضائيان وثلاثة رهائن آخرين: سعيد عابديني، وأمير حكمتي، ونصرت الله خسروي رودساري، في عام 2016 مقابل العفو عن سبعة إيرانيين (ستة منهم يحملون الجنسية المزدوجة) وسحب النشرات الحمراء الصادرة عن الإنتربول والتهم الموجهة إلى 14 مواطناً إيرانياً، (وقد أُطلق سراح رهينة أمريكي خامس في وقت لاحق)، وفي الوقت نفسه، أعادت الولايات المتحدة 1.7 مليار دولار مملوكة لطهران من صفقة أسلحة أبرمت في السبعينيات ولم تنفذ أبداً بسبب الثورة الإسلامية، وقد تزامنت الدفعة الأولى من هاتين الدفعتين البالغة 400 مليون دولار مع إطلاق سراح السجناء الأمريكيين.
كما حدثت عمليتا تبادل للأسرى خلال فترة إدارة ترامب الأولى في عام 2019، حيث تم تبادل شيويه وانغ مقابل مسعود سليماني، وهو إيراني انتهك العقوبات الأمريكية، وفي عام 2020 أُطلق سراح مايكل وايت مقابل ماجد طاهري، وهو إيراني آخر أدين بانتهاك العقوبات الأمريكية.
كما توسطت إدارة بايدن في صفقة رابعة في عام 2022، حيث أمنت الإفراج عن خمسة أمريكيين -منهم عماد شارغي وسيامك نمازي ومراد طهباز- مقابل خمسة مواطنين إيرانيين انتهكوا العقوبات الأمريكية وارتكبوا جرائم فيدرالية، لدرجة أن ثلاثة منهم لم يرغبوا في العودة إلى إيران، وبالإضافة إلى ذلك، تم الإفراج عن 6 مليارات دولار من أصول عائدات النفط الإيرانية المودعة في أحد البنوك الكورية الجنوبية وتحويلها إلى قطر لأغراض إنسانية مثل الغذاء والدواء، غير انه تم تجميدها مرة أخرى بعد الهجوم الذي قادته حركة "حماس" ضد إسرائيل في أكتوبر 2023.
تعكس أزمة مزدوجي الجنسية الأمريكية الإيرانية في طهران تداخلًا معقدًا بين السياسة والقانون والإنسان، حيث يجد آلاف الأفراد أنفسهم عالقين في قلب صراع دولي لا يملكون أدوات التأثير فيه، وبينما تتواصل الإدانات الدولية، يبقى الواقع على الأرض مرهونًا بتوازنات سياسية متغيرة، ما يجعل مصير هؤلاء الأفراد مفتوحًا على جميع الاحتمالات.











