نساء إيران في ظل الحرب.. أعباء مضاعفة وتحديات تتجاوز ساحات القتال
نساء إيران في ظل الحرب.. أعباء مضاعفة وتحديات تتجاوز ساحات القتال
تتزايد المخاوف بشأن التداعيات الإنسانية للحرب الدائرة مع تصاعد الهجمات الأمريكية- الإسرائيلية على إيران وردّ طهران عليها، في وقت تتركز فيه التغطيات الإعلامية على التطورات العسكرية والسياسية، بينما تبقى أوضاع النساء والفئات المهمشة أقل حضوراً في النقاش العام.
ويثير هذا الواقع تساؤلات متزايدة حول التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية للصراع على حياة النساء الإيرانيات، خصوصاً في ظل القيود الهيكلية التي تواجههن أصلاً داخل المجتمع، بحسب ما ذكرت وكالة "أنباء المرأة"، اليوم الجمعة.
توضح الناشطة الحقوقية والمتحدثة باسم حملة "وقف جرائم الشرف" رضوان مقدم أن الحروب لا تقتصر آثارها على الجبهات العسكرية، بل تمتد لتضرب بنية المجتمع، حيث يؤدي انعدام الأمن وتعطل الخدمات الاجتماعية إلى تفاقم الأزمات المعيشية، وغالباً ما تتحمل النساء العبء الأكبر في هذه الظروف.
أعباء اجتماعية متزايدة
تشير مقدم إلى أن الحروب تؤدي عادة إلى انهيار أو ضعف شبكات الدعم الاجتماعي، ما يجعل النساء أكثر عرضة لمختلف أشكال الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
ففي حالات النزاع، تتحمل النساء مسؤولية أكبر في رعاية الأطفال وكبار السن وإدارة شؤون الأسرة في ظل نقص الموارد وتراجع الخدمات الأساسية.
يترافق ذلك في كثير من الأحيان مع ارتفاع معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما يشمل العنف الجنسي والعنف الأسري، إذ تؤدي الحروب إلى تراجع الرقابة المجتمعية وضعف مؤسسات الحماية، الأمر الذي يزيد من هشاشة النساء ويجعلهن أكثر عرضة للانتهاكات.
وتؤكد مقدم أن هذه المخاطر تصبح أكثر تعقيداً بالنسبة للنساء اللاتي يواجهن قيوداً قانونية وهيكلية سابقة للحرب، كما هي الحال بالنسبة لعدد كبير من النساء في إيران، حيث تتضاعف آثار الحرب في ظل غياب الحماية القانونية الكافية.
دروس من الحروب السابقة
تُظهر التجارب التاريخية في دول شهدت حروباً واسعة، مثل فيتنام وكمبوديا واليابان، إضافة إلى تجربة الإيرانيات خلال الحرب الإيرانية العراقية، أن النساء غالباً ما يدفعن ثمناً باهظاً خلال النزاعات المسلحة.
لكن الدراسات العالمية تؤكد أيضاً أن النساء لا يكنّ مجرد ضحايا للحروب، بل يلعبن أدواراً محورية في الاستجابة الإنسانية وتنظيم شبكات الدعم الاجتماعي، كما يسهمن في جهود السلام وإعادة بناء المجتمعات بعد انتهاء النزاعات.
وتشير مقدم إلى أن التجارب التاريخية في أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية أظهرت أن النساء لعبن دوراً مهماً في تنظيم المساعدات الإنسانية وتعزيز التضامن المجتمعي، كما ساهمن في إطلاق حركات سلمية للحد من النزاعات.
دور النساء في بناء السلام
تؤكد الدراسات التي أجريت ضمن برنامج الأمم المتحدة "المرأة والسلام والأمن"، وكذلك قرار مجلس الأمن رقم 1325، أن مشاركة النساء في عمليات السلام وصنع القرار تزيد من فرص تحقيق سلام مستدام.
وفي السياق الإيراني، ترى مقدم أن التاريخ الاجتماعي للنساء في إيران يُظهر قدرتهن على لعب أدوار فعالة في الأزمات.
وخلال الحرب الإيرانية العراقية شاركت النساء في دعم المجتمع بطرق متعددة، كما ظهرت مبادرات مدنية مثل حركة "أمهات السلام" التي بدأت بمشاركة ثماني نساء فقط قبل أن تتوسع تدريجياً.
وقد سعت هذه المبادرات إلى خفض التوترات وتعزيز الخطاب السلمي داخل المجتمع، وهو ما يعكس قدرة الحركات المدنية النسوية على التأثير في مسارات الأزمات.
شبكات التضامن المجتمعي
تلعب شبكات التضامن الاجتماعي دوراً أساسياً في أوقات الحروب، حيث يمكن للجمعيات المحلية والمبادرات المدنية غير الرسمية أن توفر دعماً مالياً ومعنوياً للأسر المتضررة.
وتشير مقدم إلى أن مقاطع الفيديو المتداولة من مناطق النزاع تُظهر مبادرات شعبية سريعة لمساعدة الضحايا، وهو ما يعكس استمرار القيم الإنسانية والاجتماعية رغم ظروف الحرب.
وترى أن التضامن بين النساء والشبكات الاجتماعية يمكن أن يسهم في تقليل آثار الحرب والحفاظ على القيم الديمقراطية داخل المجتمع.
الأبعاد الإنسانية للحرب
تحذّر مقدم من أن وسائل الإعلام قد تؤدي دوراً مزدوجاً خلال الحروب؛ فهي قادرة على تأجيج العنف والاستقطاب، لكنها تستطيع أيضاً تعزيز الوعي العام والتضامن الاجتماعي إذا التزمت بالمسؤولية المهنية.
وتشير إلى أن كثيراً من التغطيات الإعلامية تركز على الأرقام والإحصاءات، بينما تُهمل القصص الإنسانية للمدنيين والنساء والأطفال الذين يدفعون ثمن الحرب.
وتؤكد أن الإعلام المستقل يمكن أن يسهم في كشف الأبعاد الإنسانية للصراع وتسليط الضوء على معاناة الفئات الضعيفة، إضافة إلى مكافحة الأخبار المضللة ونشر المعلومات الدقيقة.
بين الحرب والمجتمع
تعكس التجربة الإيرانية الحالية أن الحروب لا تعيد رسم الحدود السياسية فقط، بل تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية أيضاً.
وفي ظل هذه الظروف، تبقى النساء في قلب هذه التحولات، بين أعباء متزايدة ومسؤوليات اجتماعية مضاعفة، وبين قدرة محتملة على لعب دور مؤثر في حماية المجتمع ودفعه نحو مسارات أكثر سلمية.











