في اليوم العالمي للمرأة.. السوريات بين ذاكرة الانتهاكات وتحديات المشاركة في مستقبل البلاد
في اليوم العالمي للمرأة.. السوريات بين ذاكرة الانتهاكات وتحديات المشاركة في مستقبل البلاد
في اليوم العالمي للمرأة تتجدد الأسئلة حول واقع المرأة السورية بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على اندلاع الصراع الذي غيّر ملامح المجتمع والدولة، وبينما تستمر التحولات السياسية والأمنية في البلاد، تؤكد تقارير حقوقية ومنظمات دولية أن النساء السوريات ما زلن يخضن نضالاً طويلاً من أجل الحرية والكرامة والعدالة، وسط تحديات إنسانية وقانونية معقدة فرضتها سنوات الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي.
اندلع الحراك الشعبي في سوريا في مارس عام 2011، ليتحول لاحقاً إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب أدت إلى مقتل مئات الآلاف وتشريد أكثر من نصف سكان البلاد، في حين ما يزال ملايين السوريين يعيشون في ظروف نزوح داخل البلاد أو في مخيمات اللجوء خارجها، وفي قلب هذه المأساة الإنسانية تقف النساء اللواتي تحملن أعباءً مضاعفة نتيجة فقدان المعيل أو النزوح أو العنف المرتبط بالنزاع، وفق تقارير الأمم المتحدة.
تظهر تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن النساء دفعن ثمناً باهظاً خلال سنوات النزاع، فقد وثق التقرير السنوي الثالث عشر للشبكة مقتل ما لا يقل عن 29064 امرأة وفتاة منذ مارس 2011، إضافة إلى وفاة 117 امرأة تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز، كما لا تزال 11268 امرأة قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري حتى عام 2024، فضلاً عن توثيق أكثر من 11553 حادثة عنف جنسي استهدفت النساء خلال سنوات الحرب.
النساء في قلب الأزمة الإنسانية
تشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن النساء والفتيات يشكلن جزءاً كبيراً من الفئات الأكثر هشاشة في الأزمة السورية، ففي عام 2024 وحده كان أكثر من 16.7 مليون شخص داخل سوريا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينهم أكثر من 8 ملايين امرأة وفتاة، في حين تقدر أعداد النساء في سن الإنجاب بنحو 4 ملايين امرأة يعانين من ضعف الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية.
تعد قضية النزوح واحدة من أبرز تداعيات الحرب على النساء السوريات. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى وجود أكثر من 7 ملايين نازح داخل سوريا، إضافة إلى أكثر من 6 ملايين لاجئ في دول الجوار مثل تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر، وتعيش نسبة كبيرة من هؤلاء النساء في مخيمات تفتقر إلى الخصوصية والخدمات الأساسية، ما يزيد من مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي.
العنف القائم على النوع الاجتماعي
تشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن نحو 8.5 مليون شخص في سوريا يحتاجون إلى خدمات الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتشكل النساء والفتيات نحو 93 في المئة من هؤلاء المحتاجين، وتشمل الانتهاكات المسجلة العنف الأسري والزواج المبكر والتحرش والعنف الاقتصادي، إضافة إلى الاعتداءات الجنسية المرتبطة بالنزاع المسلح.
تحولات اجتماعية فرضتها الحرب
أدت سنوات النزاع الطويلة إلى تغييرات عميقة في البنية الاجتماعية السورية، حيث اضطر كثير من النساء إلى تحمل أدوار اقتصادية واجتماعية جديدة نتيجة فقدان الأزواج أو اعتقالهم أو هجرتهم، وتشير دراسات دولية معنية بالتنمية الاجتماعية إلى أن آلاف الأسر السورية باتت تعتمد على النساء بوصفهن مصدراً أساسياً للدخل، ما دفع كثيراً منهن إلى دخول سوق العمل أو قيادة المبادرات المجتمعية والإغاثية في ظروف صعبة.
دور المرأة في الحراك المجتمعي
رغم المخاطر الكبيرة، لعبت النساء دوراً بارزاً في الحراك الشعبي والعمل الإنساني منذ بداية الأزمة، فقد شاركن في تنظيم المبادرات المجتمعية والإغاثية، وأسهمن في دعم المجتمعات المحلية والحفاظ على تماسكها خلال سنوات الحرب، وتشير تقارير منظمات المجتمع المدني السورية إلى أن النساء كن في مقدمة المبادرات الإنسانية التي استهدفت دعم النازحين والأسر المتضررة من النزاع.
مع التحولات السياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، تبرز مطالب متزايدة بضرورة ضمان مشاركة المرأة السورية في رسم مستقبل البلاد، وتؤكد منظمات حقوقية أن النساء ما زلن ممثلات تمثيلاً محدوداً في عمليات التفاوض والهيئات السياسية الانتقالية رغم دورهن الكبير في المجتمع، وفق منظمة هيومن رايتس ووتش.
القانون الدولي وحقوق المرأة السورية
ينص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن على ضرورة مشاركة النساء في عمليات السلام وصنع القرار السياسي في الدول الخارجة من النزاعات، وتؤكد منظمات دولية أن تطبيق هذا القرار في الحالة السورية ما يزال محدوداً، ما يعوق إمكانية بناء عملية سلام شاملة ومستدامة تراعي حقوق النساء، وفق الأمم المتحدة.
ودعت منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش مراراً إلى ضرورة حماية النساء السوريات من العنف وضمان مشاركتهن في الحياة السياسية وإعادة الإعمار. كما شددت هذه المنظمات على أهمية المساءلة القانونية عن الجرائم المرتكبة خلال سنوات الحرب، ومنها جرائم العنف الجنسي والانتهاكات ضد المعتقلات.
المرأة السورية في مرحلة إعادة البناء
مع الحديث عن مرحلة إعادة الإعمار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، تؤكد تقارير أممية أن تمكين النساء سيشكل عاملاً حاسماً في تحقيق الاستقرار، وتشير دراسات التنمية إلى أن مشاركة النساء في الاقتصاد والسياسة تسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحسين فرص التنمية المستدامة في الدول الخارجة من النزاعات، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وعلى الرغم من عودة أعداد من اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم بعد التحولات السياسية الأخيرة، فإن التحديات ما تزال كبيرة، فالبنية التحتية المدمرة والاقتصاد المنهك ونقص الخدمات الأساسية تجعل حياة النساء أكثر صعوبة، خصوصاً في المناطق التي شهدت دماراً واسعاً أو ما تزال تعاني من انعدام الاستقرار الأمني، وفق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وتقارير إعلامية دولية.
اليوم العالمي للمرأة ورسالة السوريات
في الثامن من مارس من كل عام يتجدد حضور قضية المرأة السورية في النقاشات الحقوقية الدولية، حيث تؤكد منظمات نسوية أن تحقيق السلام الحقيقي في سوريا لا يمكن أن يتم دون ضمان العدالة والمساواة والمشاركة السياسية للنساء، وبالنسبة لكثير من السوريات فإن اليوم العالمي للمرأة لا يمثل مجرد مناسبة رمزية، بل محطة لتذكير العالم بأن نضالهن من أجل الحرية والكرامة لم ينتهِ بعد.
يذكر أن الحراك الشعبي في سوريا بدأ عام 2011 ضمن موجة الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة العربية آنذاك. ومع تصاعد الأحداث تحول الصراع إلى حرب متعددة الأطراف أدت إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، وقد لعبت النساء منذ بداية الأحداث أدواراً متعددة، من المشاركة في الاحتجاجات والعمل الإغاثي إلى قيادة مبادرات المجتمع المدني والدفاع عن حقوق الإنسان. ومع استمرار الأزمة وتعدد التحديات الإنسانية والاقتصادية، بقيت قضية المرأة السورية محوراً أساسياً في النقاشات الدولية حول مستقبل البلاد وإمكانية بناء دولة قائمة على العدالة والمساواة.










