بمناسبة يوم المرأة العالمي.. لماذا لم تتحقق المساواة القانونية الكاملة بين النساء والرجال؟
بمناسبة يوم المرأة العالمي.. لماذا لم تتحقق المساواة القانونية الكاملة بين النساء والرجال؟
يأتي يوم المرأة العالمي الذي يتم الاحتفال به هذا الشهر في وقت تؤكد فيه المؤسسات الدولية أن المساواة القانونية الكاملة بين النساء والرجال لم تتحقق بعد في أي دولة في العالم، رغم عقود من الإصلاحات التشريعية والحركات الحقوقية، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الفجوة القانونية بين الجنسين لا تزال قائمة في مجالات متعددة تشمل قوانين الأسرة والعمل والحماية من العنف والحقوق الاقتصادية، وتوضح هذه المعطيات أن التقدم الذي تحقق خلال العقود الماضية لم يصل بعد إلى مستوى المساواة القانونية الشاملة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على حياة ملايين النساء والفتيات حول العالم.
تحذيرات أممية من تراجع مكتسبات النساء
أكدت سارة هندريكس، مديرة قسم السياسات في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، أن التقدم الذي تحقق عالميًا في مجالات مثل الحماية من العنف والمساواة في قوانين الأسرة والضمانات ضد التمييز يواجه تحديات متزايدة في عدد من الدول، وأوضحت أن بعض المكاسب القانونية التي تحققت خلال العقود الماضية أصبحت مهددة نتيجة تحولات سياسية واجتماعية في عدة مناطق من العالم، وتشير هذه التحذيرات إلى أن مسار تحقيق المساواة القانونية لا يزال هشًا في العديد من السياقات الوطنية، وفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
جرائم العنف الجنسي
تكشف البيانات الدولية عن وجود فجوات كبيرة في التشريعات المتعلقة بالعنف الجنسي، حيث تشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن أكثر من نصف دول العالم لا يعتمد تعريفًا قانونيًا للاغتصاب قائمًا على مبدأ الموافقة، ويؤدي هذا النقص التشريعي إلى صعوبات في ملاحقة مرتكبي الجرائم الجنسية، كما يحد من قدرة الضحايا على الحصول على العدالة والحماية القانونية، ويعكس التباين الكبير بين النظم القانونية في العالم فيما يتعلق بحماية النساء.
وتتفاقم أوضاع النساء في سياق النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، حيث تشير بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء والفتيات يمثلن 87 في المئة من ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات خلال العامين الماضيين، وتوضح التقارير الحقوقية أن هذه الجرائم تشمل الاغتصاب والاستعباد الجنسي والزواج القسري، وغالبًا ما تُستخدم وسيلة للترهيب أو العقاب الجماعي في مناطق النزاع.
زواج الأطفال
لا تزال ظاهرة زواج الأطفال من أبرز مظاهر عدم المساواة القانونية في العالم، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الزواج المبكر لا يزال قانونيًا في نحو 74 في المئة من الدول، سواء من خلال استثناءات تشريعية أو غياب حد أدنى واضح لسن الزواج، ويؤثر هذا الواقع في حياة ملايين الفتيات، حيث يؤدي الزواج المبكر إلى حرمانهن من التعليم وزيادة احتمالات التعرض للعنف الأسري والفقر، إضافة إلى المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل المبكر.
فجوة الأجور وعدم تكافؤ الفرص
تتجلى مظاهر عدم المساواة القانونية كذلك في سوق العمل، حيث تشير تقارير دولية إلى أن 44 في المئة من دول العالم لا تمتلك قوانين واضحة تلزم بالمساواة في الأجر مقابل العمل المتساوي بين النساء والرجال، وتؤدي هذه الفجوة التشريعية إلى استمرار تفاوت الدخل، إذ تكسب النساء عالميًا في المتوسط أقل من الرجال بنحو 20 في المئة، ما يحد من استقلاليتهن الاقتصادية ويؤثر على فرصهن في الوصول إلى الموارد والتمويل والعمل اللائق، وفق منظمة العمل الدولية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
الإفلات من العقاب
تشير تقارير أممية إلى أن الإفلات من العقاب يمثل أحد أبرز التحديات في مواجهة الجرائم المرتكبة ضد النساء، فكثير من الضحايا يترددن في الإبلاغ عن الانتهاكات بسبب الخوف من الوصم الاجتماعي أو الانتقام أو ضعف الثقة في منظومات العدالة، ويؤدي هذا الواقع إلى بقاء عدد كبير من الجرائم دون محاسبة، ما يسهم في استمرار أنماط العنف ضد النساء في العديد من المجتمعات.
ترتبط الفجوة القانونية بين النساء والرجال بجذور تاريخية طويلة، حيث تطورت العديد من الأنظمة القانونية في سياقات اجتماعية كانت تمنح الرجال امتيازات قانونية أوسع في مجالات الملكية والعمل والأسرة، وعلى الرغم من الإصلاحات التي شهدها العالم منذ القرن العشرين، خصوصًا بعد اعتماد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة عام 1979، فإن آثار تلك البنى القانونية التقليدية ما تزال قائمة في بعض التشريعات.
تداعيات اقتصادية وسياسية
تشير تقارير البنك الدولي إلى أن القيود القانونية المفروضة على النساء تؤثر بشكل مباشر على مشاركتهن في الاقتصاد، فقد أظهر تقرير "المرأة وأنشطة الأعمال والقانون" أن النساء يتمتعن في المتوسط بنحو 77 في المئة فقط من الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال في مجالات العمل والتنقل وريادة الأعمال، وتوضح هذه المؤشرات أن القيود القانونية قد تحد من قدرة النساء على تأسيس الأعمال أو الحصول على التمويل أو المشاركة في سوق العمل بشكل متكافئ.
تشير بيانات الاتحاد البرلماني الدولي إلى أن النساء يشغلن نحو 26 في المئة فقط من مقاعد البرلمانات حول العالم، ويرى خبراء أن ضعف تمثيل النساء في مواقع صنع القرار قد يحد من قدرتهن على التأثير في التشريعات والسياسات العامة المتعلقة بحقوق المرأة، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى بطء وتيرة الإصلاحات القانونية المرتبطة بالمساواة بين الجنسين.
دور المجتمع المدني والقانون الدولي
أكدت منظمات حقوقية دولية أن الحركات النسوية ومنظمات المجتمع المدني لعبت دورًا مهمًا في تحقيق تقدم تشريعي في عدد من الدول خلال العقود الأخيرة، خصوصًا في مجالات تجريم العنف الأسري ومكافحة التحرش، وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن هذه الجهود أسهمت في دفع الحكومات إلى تبني إصلاحات قانونية تهدف إلى تعزيز المساواة وتعزيز حقوق المرأة وحماية النساء من التمييز والعنف.
بحسب الأمم المتحدة يشكل القانون الدولي أحد الأطر الأساسية لتعزيز المساواة بين الجنسين، حيث تنص اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على التزام الدول بإلغاء القوانين التمييزية وضمان المساواة الكاملة بين النساء والرجال في جميع المجالات. كما تؤكد أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة -وخاصة الهدف الخامس- ضرورة تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات بحلول عام 2030.
تشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة والبنك الدولي إلى أن تحقيق المساواة القانونية الكاملة يتطلب إصلاحات تشريعية شاملة ترافقها سياسات اقتصادية واجتماعية تدعم تطبيق القوانين على أرض الواقع. وتؤكد المؤسسات الدولية أن المساواة بين الجنسين تمثل عنصرًا أساسيًا في تحقيق التنمية المستدامة والاستقرار الاجتماعي، وأن استمرار الفجوة القانونية قد يحد من فرص التقدم الاقتصادي والاجتماعي في العديد من دول العالم.
يوم المرأة العالمي وحقوق النساء
يُحتفل بيوم المرأة العالمي في الثامن من مارس من كل عام باعتباره مناسبة دولية لتسليط الضوء على قضايا المساواة بين الجنسين وحقوق النساء في مختلف أنحاء العالم، وتعود جذور هذا اليوم إلى الحركات العمالية والنسوية في أوائل القرن العشرين، حيث خرجت آلاف العاملات في الولايات المتحدة وأوروبا في مظاهرات للمطالبة بتحسين ظروف العمل والحق في التصويت والمساواة في الأجور، وفي عام 1975 اعترفت الأمم المتحدة رسميًا بيوم المرأة العالمي وبدأت الاحتفال به ضمن السنة الدولية للمرأة، قبل أن يتحول لاحقًا إلى مناسبة عالمية سنوية تدعو الحكومات والمؤسسات إلى تقييم التقدم المحرز في تمكين النساء وتعزيز حقوقهن، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذا اليوم أصبح منصة دولية لعرض التحديات التي لا تزال تواجه النساء والفتيات، ومنها الفجوات القانونية والاقتصادية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، إضافة إلى إبراز إسهامات النساء في التنمية والسلام وبناء المجتمعات.











