في يوم المرأة العالمي.. نساء غزة بين الفقد وأعباء الحياة اليومية

في يوم المرأة العالمي.. نساء غزة بين الفقد وأعباء الحياة اليومية
نساء من غزة يبكين ضحايا الحرب الإسرائيلية

في الثامن من مارس، تحتفل نساء العالم بيومهن العالمي، مستعرضات ما حققنه من إنجازات في الحقوق والعمل والحياة العامة، لكن في قطاع غزة، تبدو الصورة مختلفة تماماً؛ آلاف النساء يخضن معركة يومية للبقاء على قيد الحياة، بعد أن حوّلتهن الحرب الإسرائيلية المستمرة إلى أمهات، وآباء، ومعيلات في آن واحد، داخل خيام أقيمت فوق أنقاض منازل دمرها القصف.

مع دخول الحرب عامها الثالث، وجدت آلاف النساء في قطاع غزة أنفسهن العمود الفقري لأسر فقدت معيلها بعد مقتل الأزواج أو فقدانهم تحت الركام، بين النزوح المتكرر وشح الموارد وانعدام مقومات الحياة، تتحول حياة النساء إلى سلسلة معارك يومية تشمل توفير الطعام، وجلب الماء، ورعاية الأطفال والجرحى، والحفاظ على تماسك الأسرة وسط انهيار شامل للحياة الطبيعية، وفق مركز غزة لحقوق الإنسان.

أزمة الوقود والمياه.. عبء إضافي على النساء

تتفاقم معاناة النساء في ظل أزمة حادة في غاز الطهي نتيجة القيود الإسرائيلية، ووفق مصادر محلية، سمحت إسرائيل بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2024 بدخول ست شاحنات أسبوعياً فقط، بما يعادل نحو 120 إلى 150 طناً، وهو ما لا يكفي احتياجات القطاع، وقد توقفت حتى هذه الكميات بعد التصعيد الأخير في 28 فبراير 2026 إثر الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.

كما يعاني القطاع أزمة حادة في المياه الصالحة للشرب نتيجة تدمير آبار المياه وشبكات التوزيع. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 1.1 مليون شخص، أي نصف سكان القطاع، ما زالوا يعيشون في خيام وملاجئ مؤقتة بعد تدمير منازلهم، رغم مرور أشهر على وقف إطلاق النار.

حصيلة الخسائر البشرية

أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن العدوان الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023 أسفر عن استشهاد 72,120 فلسطينياً وإصابة أكثر من 171,000 شخص، بينهم 18,592 طفلاً و12,400 امرأة.

وفق المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً، يقدر عدد المفقودين في قطاع غزة بنحو 8,000 شخص، بينهم نحو 3,200 امرأة وفتاة، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن النساء يشكلن نحو 70% من إجمالي المفقودين بسبب صعوبة الوصول إلى مواقع الأنقاض.

أثر الحرب على الأسر الفلسطينية

تظهر المعطيات أن ما يزيد على 21,193 سيدة فقدن أزواجهن منذ بداية العدوان، بينما قتل 22,426 رب أسرة، ما ترك آلاف الأسر دون معيل، كما أبدت 6,020 أسرة بالكامل ولم يبق منها سوى ناجٍ واحد، غالباً امرأة أو طفل، إضافة إلى 2,700 أسرة مسحت بالكامل من السجل المدني وفق مركز غزة لحقوق الإنسان.

وبسبب مقتل الأزواج واعتقال آلاف الرجال، أصبحت عشرات آلاف النساء المعيلات الوحيدات لأسرهن، يتحملن مسؤولية إعالة الأطفال ورعايتهم وسط انهيار اقتصادي شامل وتدمير للبنية التحتية.

تداعيات صحية ومعيشية

تواجه النساء في قطاع غزة تحديات صحية حادة؛ يوجد 107,000 امرأة حامل ومرضعة معرضات لمخاطر جسيمة نتيجة نقص الرعاية الطبية وسوء التغذية، وقد سجلت أكثر من 12,000 حالة إجهاض بسبب الظروف القاسية.

كما سجل القطاع أكثر من 2,142,000 إصابة بأمراض معدية نتيجة النزوح والاكتظاظ، وتوفي 460 شخصاً بسبب الجوع وسوء التغذية، بينهم نساء وأطفال، ما يعكس استخدام التجويع كأداة ضغط جماعي.

بالإضافة إلى ذلك، هناك 56,348 طفلاً يتيماً فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، مما يزيد الأعباء على النساء في رعاية الأطفال في ظل غياب الموارد والدعم.

تداعيات نفسية واجتماعية

النساء الفلسطينيات في غزة يتحملن عبئا نفسيا واجتماعيا هائلا.. ففقدان الأقارب، والتعرض المستمر للتهديدات، والنزوح المتكرر، يضاعف مستويات القلق والاكتئاب لدى النساء والأطفال، والدراسات الحقوقية تشير إلى أن نحو 80% من النساء في مناطق النزاع يعانين من اضطرابات نفسية مرتبطة بالحرب والفقد.

أوضح المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً أن أكثر من 3,000 امرأة ما زلن في عداد المفقودين تحت أنقاض المنازل أو في ظروف مجهولة، كما تم توثيق اعتقال عشرات النساء داخل السجون الإسرائيلية مع غياب معلومات عن أماكن احتجازهن، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني وقواعد حماية المدنيين.

ردود حقوقية ودولية

دعت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية إلى التحرك الفوري لحماية النساء في غزة، وضمان وصول المعدات الثقيلة لفرق الإنقاذ، وفتح تحقيقات دولية مستقلة بشأن مصير المفقودات، وإلزام السلطات الإسرائيلية بالكشف عن المعتقلات وضمان حمايتهن من الاختفاء القسري.

وأكدت هذه الجهات أن ما تتعرض له النساء ليس مجرد أثر جانبي للعدوان، بل نتيجة مباشرة لسياسات الاستهداف الواسع للمدنيين والحصار والتدمير المنهجي للبنية الصحية والاجتماعية، وتشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي.

منذ احتلال إسرائيل لقطاع غزة في 1967، تعرضت المنطقة للحصار والاعتداءات المتكررة، إلا أن العدوان الأخير منذ أكتوبر 2023 يمثل واحدة من أعنف العمليات العسكرية التي استهدفت المدنيين بشكل مباشر، وهذا التاريخ الطويل من الحصار والتدمير يعزز من الأزمة الإنسانية ويضاعف العبء على النساء في رعاية أسرهن.

في يوم المرأة العالمي، تقف نساء غزة على خط المواجهة بين الحياة والموت، مطالبات بحماية عاجلة وفعالة وفق القانون الدولي الإنساني، وإنقاذ المفقودات، وتوفير المساعدات الأساسية، وتمكين النساء المعيلات، وضمان مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية