الفاتورة الأكبر.. كيف يدفع المدنيون ثمن الصراع بين إيران وإسرائيل؟
الفاتورة الأكبر.. كيف يدفع المدنيون ثمن الصراع بين إيران وإسرائيل؟
في الحروب الممتدة والمعارك متعددة الجبهات، نادرا ما تبقى آثار الصراع محصورة في ساحات المواجهة العسكرية، ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، تتسع رقعة التداعيات لتطال مدنا وسكانا بعيدين عن مراكز القرار العسكري، فالصواريخ والطائرات المسيرة والضربات الجوية لا تقف عند حدود الجيوش، بل تمتد آثارها إلى الأحياء السكنية والمرافق المدنية.
ويتحمل المدنيون العبء الأكبر من الخسائر البشرية والإنسانية، إذ لا يكونون مجرد متفرجين على الصراع، بل يتحولون غالبًا إلى ضحاياه الأوائل والأكبر.
وبينما يتصاعد التوتر العسكري والسياسي بين إيران وإسرائيل، تتسع دائرة التأثير لتطال حياة الملايين خارج ساحات القتال المباشر، فمع كل جولة تصعيد، تتضاعف المخاوف من امتداد المواجهة إلى ساحات جديدة، ويصبح المدنيون في دول عدة من الشرق الأوسط هم من يدفعون الفاتورة الأثقل عبر القصف والنزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية.
وفي ما يلي رصد لأبرز الوقائع التي طالت المدنيين في عدة دول بالمنطقة مع تصاعد المواجهة.
وأعلنت وزارة الصحة في البحرين أن هجوما بطائرات مسيرة استهدف منطقة سترة (إمارة البحرين) أسفر عن إصابة 32 مدنيا، بينهم 4 حالات بليغة.
وشملت الإصابات فتاة في السابعة عشرة تعرضت لإصابات خطيرة في الرأس والعين، إضافة إلى طفلين في السابعة والثامنة أصيبا بجروح خطيرة في الأطراف السفلية استدعت تدخلًا جراحيًا، بينما كان أصغر المصابين رضيعًا يبلغ شهرين.
غارات على لبنان
أفادت وزارة الصحة في لبنان بأن غارات إسرائيلية استهدفت عدة مناطق جنوبي البلاد، إذ أسفرت غارة على بلدة الغازية في قضاء صيدا عن مقتل شخصين وإصابة 10 آخرين.
فيما أدت غارات على بلدة طيردبا في قضاء صور إلى مقتل 3 أشخاص وإصابة 15 آخرين، ونفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي نفذ "حزاما ناريا" استهدف بلدة جويا في قضاء صور، أسفر عن مقتل 3 وإصابة 16 آخرين.
كما أعلنت الوزارة أن غارة استهدفت غرفة فندق في منطقة الروشة بالعاصمة بيروت أدت إلى مقتل 4 أشخاص وإصابة 10 آخرين.
وفي حادثة أخرى، ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام أن الطيران الحربي الإسرائيلي شن 10 غارات على بلدة النبي شيت شرقي البلاد، ما أدى إلى مقتل 10 أشخاص وإصابة 17 آخرين.
الإمارات والسعودية والأردن
أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أنه منذ بدء الهجمات الإيرانية تم رصد 238 صاروخا باليستيا جرى اعتراض 221 منها، أسفرت عن 4 حالات وفاة من جنسيات باكستانية ونيبالية وبنغلادشية، إضافة إلى 112 إصابة متوسطة وبسيطة من جنسيات متعددة.
فيما تعاملت الجهات المختصة مع حوادث سقوط شظايا في إمارة أبوظبي، أسفرت عن إصابة شخصين من الجنسية المصرية والأردنية، كما أفاد المكتب الإعلامي لحكومة دبي بأن سقوط شظية على مركبة في منطقة البرشاء أدى إلى وفاة مقيم من الجنسية الباكستانية.
وأعلنت وزارة الدفاع في المملكة العربية السعودية مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين إثر سقوط مقذوف عسكري على موقع سكني بمحافظة الخرج.
وأعلنت القوات المسلحة الأردنية التعامل مع 119 صاروخا وطائرة مسيرة إيرانية استهدفت أراضي الأردن خلال أسبوع من التصعيد العسكري في المنطقة، وتمكن سلاح الجو الملكي الأردني من اعتراض وتدمير 108 منها، فيما لم تتمكن الدفاعات الجوية من اعتراض 11 صاروخا ومسيرة.
وأكدت أن الدفاعات الجوية لم تتمكن من اعتراض 11 صاروخا ومسيرة سقطت داخل الأراضي الأردنية، ما أدى إلى إصابة 14 شخصا بإصابات طفيفة وتسجيل أكثر من 200 حادث سقوط شظايا في مناطق مختلفة.
آلاف القتلى في إيران
أعلن المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة سعيد إيرواني أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1332 مدنيا، بينهم نحو 300 طفل، وإصابة آلاف آخرين.
كما طالت الهجمات بنى تحتية مدنية واسعة، حيث تم استهداف 7943 منزلًا، و1617 وحدة تجارية، و32 مركزا صحيا، و65 مدرسة، و13 مركزا تابعا للهلال الأحمر.
شرعنة القوة والاعتداء
قال مدير المعهد الإقليمي لحقوق الإنسان في الأردن والخبير الدولي في آليات الحماية الدولية كمال المشرقي، في تصريح لـ"جسور بوست"، إن المدنيين والبشرية جمعاء يظلون الخاسر الأكبر في كل حرب أو صراع مسلح، لا سيما في ظل ما وصفه بـ"الحرب العبثية" الدائرة حاليا، والتي تتسع رقعتها بوتيرة مقلقة بما يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
وأوضح المشرقي أن تأثيرات الصراع لا تقتصر على أطرافه المباشرين، بل تمتد إلى دول أخرى في المنطقة، حيث تطال تداعياته مختلف جوانب الحياة مع اتساع رقعة الدمار وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، في مشهد يعكس -بحسب قوله- تراجعا واضحا في احترام المبادئ والقيم الإنسانية التي ناضلت الشعوب لعقود لترسيخها.
وأضاف أن العمليات العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا المدنيين بين قتيل وجريح، فضلا عن الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية المدنية دون تمييز، قائلا إن المدارس والمستشفيات وشبكات الطاقة والمياه لم تسلم من القصف، في انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف الأعيان المدنية تحت أي مبرر.
وأشار الخبير الحقوقي الأردني إلى أن تداعيات الصراع امتدت أيضا إلى لبنان، حيث تسببت الغارات والدمار المتزايد في موجات نزوح واسعة، في ظل ضعف القدرة على توفير الحماية للسكان أو تقديم الخدمات الأساسية لهم، كما لفت إلى استمرار مشاهد القتل والدمار في قطاع غزة والضفة الغربية، في ظل انتهاكات تتكرر على مرأى العالم.
وأكد المشرقي أن المدنيين يدفعون اليوم ثمن سياسات توسعية تُشرعن استخدام القوة تحت ذرائع مختلفة، بينما تتضح ملامح مشروع يسعى –وفق تعبيره– إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في المنطقة.
وأضاف أن آثار الحرب لن تتوقف عند حدود الخسائر المباشرة، بل ستمتد إلى أجيال قادمة عبر الصدمات النفسية ومظاهر العنف المرتبطة بالحروب، التي تطال الأطفال والنساء والفئات الأكثر هشاشة بشكل خاص، فضلاً عن ارتفاع معدلات الإعاقات والإصابات الدائمة.
وأوضح أن الواقع الإنساني الحالي يعكس مزيجاً قاسياً من القتل المباشر والإصابات ودمار المرافق المحمية بموجب القانون الدولي، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومحطات الطاقة. وأشار إلى أن استهداف مدرسة ابتدائية في جنوب إيران خلال الأيام الأولى من التصعيد أدى إلى مقتل وإصابة عدد من الأطفال، في مشهد يجسد حجم الانتهاكات التي تطال الحق في التعليم والحياة.
كما أشار إلى الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها القطاع الصحي نتيجة تزايد أعداد المصابين ونقص الأدوية والوقود، إلى جانب تضرر المرافق الطبية، ما يفاقم هشاشة المدنيين ويعرقل عمليات الإخلاء والنزوح.
جرائم حرب
ومن منظور القانون الدولي، أكد كمال المشرقي أن استهداف أو عدم حماية المدارس والمستشفيات وشبكات الطاقة والمياه والبنى التحتية الرقمية يمثل خروقات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.
وبحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، أوضح المشرقي أن نطاق الصراع توسع ليؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على ما يقارب اثنتي عشرة دولة، مع تدمير واسع للمنازل والمطارات والمنشآت المدنية، إضافة إلى تسجيل موجات نزوح جديدة داخل لبنان وإيران، حيث باتت الطرقات مكتظة بالمدنيين في ظل تراجع الخدمات الأساسية.
وأضاف أن تعطيل قطاعي التعليم والصحة يزيد من هشاشة الفئات الضعيفة، ويحول المستشفيات –التي يفترض أن تكون ملاذاً آمناً– إلى مناطق خطر، وهو ما يدق ناقوس الخطر بشأن المستقبل الإنساني في المنطقة.
وفي ما يتعلق بسبل الخروج من هذه الأزمة، شدد المشرقي على أن المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الكبرى المؤثرة في مسار الصراع، يتحمل مسؤولية مباشرة في العمل على وقف الحرب. ودعا إلى فرض وقف إطلاق نار شامل وفوري يشمل غزة والضفة الغربية والأراضي المحتلة ولبنان وإيران، والعودة إلى طاولة المفاوضات باعتبارها السبيل الوحيد لوقف دوامة العنف، مع منح الأمم المتحدة دوراً فاعلاً في إدارة العملية التفاوضية.
كما دعا إلى تفعيل آليات المساءلة الدولية في ظل توافر كم كبير من الأدلة والتوثيقات، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب، وحماية المدنيين ومنع موجات نزوح جديدة، إلى جانب دعم المنظمات الإنسانية العاملة في فلسطين ولبنان وإيران، وتوفير ممرات آمنة لعمليات الإغاثة الطبية.
وطالب المشرقي بالضغط على جميع الأطراف لاحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وعدم استهداف البنى التحتية المدنية، والسماح بدخول الوقود والأدوية والمساعدات الإنسانية دون عوائق. كما دعا الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وأعضاء مجلس الأمن الدولي، إلى التوقف عن تأجيج الصراع والعمل بدلاً من ذلك على تهدئة الأوضاع.
واختتم بالقول إن الحروب مهما طال أمدها فإنها تنتهي في نهاية المطاف، لكن الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم، وسيأتي يوم يواجه فيه كل من تورط في القتل أو الدمار أو تجاهل القواعد الإنسانية المساءلة والعدالة.
حماية المدنيين
من جانبها، قالت أستاذة القانون في لبنان الدكتورة هالة حمدان، في حديث لـ"جسور بوست"، إن المدنيين يدفعون دائما الثمن الأكبر في الصراعات المسلحة، لكونهم الطرف الأضعف في معادلة الحرب.
وأضافت د. هالة: "لهذا السبب شدد القانون الدولي الإنساني على ضرورة حماية المدنيين، وكذلك حماية المنشآت المدنية والقطاع الصحي وسائر المرافق الحيوية، لكن المؤسف أننا نشهد اليوم تقويضا متزايدا للقانون الدولي ولمجمل المنظومة والمؤسسات الدولية".
وأوضحت أن النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية قام أساسا على قواعد وقوانين ومؤسسات، في مقدمتها الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة، إلا أن هذه المنظومة -بحسب قولها- تتعرض اليوم لتقويض واضح من قبل بعض قادة العالم، مشيرة بشكل خاص إلى سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأبدت حمدان شكوكها في قدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين، مؤكدة أن النظام الدولي لم يعد فعالا كما كان في السابق، موضحة أن العالم بات يُدار بدرجة أكبر وفق موازين القوة، قائلة: "اليوم تُفرض القواعد بالقوة، وحتى محاولات فرض السلام تجري عبر أدوات القوة، لا عبر القواعد والمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي".
أهداف وأدوات ضغط
وأضافت: "لدينا مثال واضح شاهده العالم خلال العامين الماضيين في ما جرى في قطاع غزة، حيث وقعت مآس إنسانية كبيرة شملت قتل الأطفال والنساء وتدمير المستشفيات والجامعات والمدارس والمرافق الصحية، في وقت عجز فيه المجتمع الدولي عن اتخاذ خطوات حاسمة (..) الرأي العام العالمي ربما كان تأثيره أكبر من تأثير المؤسسات الدولية، في ظل حالة العجز التي تبدو عليها المنظومة الدولية".
وعن التطورات الراهنة، قالت حمدان إن "المشهد يتكرر في الصراع الحالي، حيث يُستخدم المدنيون أحيانًا كأدوات ضغط أو كأهداف ضمن الحسابات العسكرية، مضيفة: "نشهد ضحايا مدنيين في أكثر من ساحة، سواء في إيران أو في دول الخليج، حيث تتعرض الحياة اليومية والاقتصاد والمطارات لضغوط كبيرة، وكذلك في لبنان حيث تسقط ضحايا جراء الغارات".
وأكدت أن المدنيين يظلون الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر في مثل هذه النزاعات، في حين تنشغل الدول بتحقيق أهدافها العسكرية والسياسية بالدرجة الأولى.
وخلصت أستاذة القانون هالة حمدان إلى القول إن المجتمع الدولي يبدو عاجزا عن القيام بدور فعال في هذه الأزمات، مضيفة: "لا نكاد نسمع اليوم صوتا واضحا للأمم المتحدة في الحرب الدائرة، ولا نرى تحركات دولية فاعلة أو اجتماعات حاسمة، وكأن هناك حالة من الشلل في النظام الدولي".











