مجلس حقوق الإنسان يناقش تصاعد العنف الرقمي ضد الأطفال ويطالب بحمايتهم
ضمن فعاليات الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان
دعت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، نجاة معلا مجيد، المعنية بالعنف ضد الأطفال إلى تعزيز التشريعات الوطنية وتطوير آليات الإبلاغ والدعم للأطفال ضحايا العنف الرقمي، مؤكدة ضرورة دمج سلامة الطفل وخصوصيته في تصميم المنصات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي منذ المراحل الأولى لتطويرها.
وشددت مجيد، على أهمية تبني سياسات متعددة القطاعات تشمل الحكومات والمؤسسات التعليمية والأسر وشركات التكنولوجيا، إلى جانب تعزيز محو الأمية الرقمية لدى الأطفال وتمكينهم من التفكير النقدي والتعامل الآمن مع البيئة الرقمية.
جاء ذلك خلال الحوار التفاعلي الذي عقده مجلس حقوق الإنسان ضمن فعاليات الدورة الحادية والستين للمجلس، في جنيف، خلال الاجتماع الرابع والعشرين المخصص لمناقشة تقرير الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالعنف ضد الأطفال، حيث قدمت الدكتورة نجاة معلا مجيد عرضاً شاملاً حول التحديات المتزايدة التي تواجه الأطفال في ظل التحولات الرقمية وتسارع استخدام التقنيات الحديثة.
وأكدت مجيد في تقريرها السنوي أن حماية الأطفال ورفاههم تواجه تهديدات متزايدة نتيجة عوامل متعددة، منها استمرار النزاعات المسلحة، والنزوح، والفقر، والتهديدات الأمنية، إضافة إلى التوسع السريع في استخدام التكنولوجيا الرقمية.
إعادة تقييم آليات الحماية
وأوضحت أن هذه التحديات المركبة تفرض على المجتمع الدولي إعادة تقييم آليات الحماية التقليدية، والعمل على تطوير استجابات جديدة قادرة على مواكبة التحولات التي يشهدها العالم الرقمي.
وأشارت إلى أن تقرير هذا العام ركز بشكل خاص على ظاهرة التنمر الإلكتروني التي أصبحت أحد أكثر المخاطر انتشاراً بين الأطفال في مختلف مناطق العالم، مؤكدة أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي محدود، بل تحولت إلى مشكلة عالمية معقدة تتزايد حدتها مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية المتقدمة.
ووفقاً للبيانات التي عرضتها، تشير الدراسات إلى أن ما بين 15 و20 في المئة من الأطفال يتعرضون للتنمر الإلكتروني، في حين أظهر استطلاع للرأي أجراه مكتبها وشمل أكثر من 30 ألف طفل حول العالم أن 66 في المئة منهم لاحظوا زيادة في حالات التنمر عبر الإنترنت، في حين أكد نحو 10 في المئة أنهم لا يعرفون إلى أين يمكنهم التوجه للإبلاغ عن هذه الانتهاكات أو طلب الدعم.
وأضافت أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي أدى إلى تعقيد هذه الظاهرة، حيث أصبح التنمر الإلكتروني أكثر سرعة وانتشاراً واستهدافاً للأطفال، كما بات من الصعب اكتشافه أو الحد منه.
وأوضحت أن بعض التطبيقات الرقمية باتت تُستخدم لإنتاج صور أو مقاطع فيديو مفبركة، أو ما يعرف بالتزييف العميق، بهدف إذلال الأطفال أو ابتزازهم، إضافة إلى تطبيقات التعري الرقمية التي تشكل تهديداً متزايداً لسلامتهم النفسية والاجتماعية.
الخداع والتلاعب النفسي
ولفتت إلى أن هذه الأدوات الرقمية قد تُستخدم أيضاً للحصول على معلومات شخصية من الأطفال أو إجبارهم على مشاركة محتوى خاص من خلال أساليب الخداع أو التلاعب النفسي، وهو ما يؤدي في كثير من الحالات إلى أضرار نفسية عميقة قد تستمر لسنوات طويلة، بل وقد تدفع بعض الأطفال إلى إيذاء أنفسهم أو التفكير في الانتحار.
وأوضحت الممثلة الخاصة أن أحد التحديات الرئيسية في مواجهة هذه الظاهرة يتمثل في ضعف الإبلاغ عنها، حيث يتردد كثير من الأطفال في الكشف عما يتعرضون له خوفاً من الوصم الاجتماعي أو من ردود الفعل المبالغ فيها من قبل البالغين، أو بسبب عدم معرفتهم بالجهات التي يمكنها تقديم المساعدة.
وشددت في هذا السياق على ضرورة تطوير آليات إبلاغ صديقة للأطفال، تتيح لهم طلب الدعم بسهولة وأمان، مع توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي اللازمة للضحايا.
كما دعت إلى إدماج مفاهيم المواطنة الرقمية في المناهج التعليمية، بهدف تعزيز وعي الأطفال بالمخاطر الرقمية وتمكينهم من التعامل معها بوعي ومسؤولية.
وأشارت مجيد إلى أن مكتبها عمل خلال العام الماضي على تعزيز التعاون مع الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص لمواجهة العنف ضد الأطفال، لافتة إلى أنها قامت بزيارات إلى 16 دولة وعقدت اجتماعات متخصصة لمناقشة التهديدات الرقمية الجديدة وكيفية التصدي لها.
جهود حماية الأطفال
كما أكدت أهمية دور منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية وقادة المجتمعات المحلية في دعم جهود حماية الأطفال، مشيرة إلى أن هذه الجهات تلعب دوراً محورياً في نشر الوعي وتعزيز ثقافة الحماية داخل المجتمعات.
وخلال الحوار التفاعلي، أعربت عدة دول ومجموعات إقليمية عن قلقها من تصاعد ظاهرة التنمر الإلكتروني وتأثيراتها السلبية في الصحة النفسية للأطفال.
وفي بيان ألقته آيسلندا نيابة عن الدول الإسكندنافية، تم تأكيد ضرورة تطوير أطر استباقية للتعامل مع المخاطر الرقمية المتزايدة، مع ضمان أن تكون السلامة والخصوصية في صميم الحوكمة الرقمية.
بدوره، أشار الاتحاد الأوروبي إلى أن انتشار التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي يضاعف المخاطر التي يواجهها الأطفال على الإنترنت، خاصة مع ظهور تقنيات التزييف العميق واستنساخ الصور والمحتوى الرقمي.
وأوضح أن المفوضية الأوروبية أطلقت خطة عمل جديدة لمكافحة التنمر الإلكتروني، تتضمن تطوير تطبيق رقمي يتيح للأطفال الإبلاغ بسهولة عن الانتهاكات وتخزين الأدلة بشكل آمن.
معالجة الأسباب الجذرية
وفي مداخلة باسم المجموعة العربية أكدت المملكة العربية السعودية ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للعنف ضد الأطفال وتعزيز الشراكات بين الدول والمنظمات الدولية، مع تأكيد أهمية حماية الأطفال الفلسطينيين من الانتهاكات والعنف وضمان احترام القانون الدولي.
كما أعربت كينيا في بيان باسم المجموعة الإفريقية عن قلقها من التوسع الرقمي السريع في القارة، والذي يوفر فرصاً كبيرة للأطفال لكنه في الوقت ذاته يخلق مخاطر جديدة، خاصة في ظل محدودية القدرات التقنية والقانونية لدى بعض الدول للتعامل مع الجرائم الإلكترونية.
وأكدت عدة دول أهمية تعزيز الأطر التشريعية الوطنية لحماية الأطفال من الجرائم الرقمية، ففي هذا السياق استعرضت الإمارات العربية المتحدة جهودها الوطنية في مجال حماية الأطفال، مشيرة إلى اعتماد إطار تشريعي شامل لمكافحة العنف والإهمال والاستغلال، إضافة إلى إصدار قانون خاص بالسلامة الرقمية للأطفال يهدف إلى توفير بيئة إلكترونية آمنة لهم.
كما أوضحت أن الدولة عززت منظومة الإبلاغ والحماية وأنشأت مؤسسات متخصصة لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال، إلى جانب إطلاق برامج توعوية تستهدف الأسر والمؤسسات التعليمية، مؤكدة أن إعلان عام 2026 عاماً للأسرة يعكس التزام الدولة بتعزيز دور الأسرة في حماية الأطفال وترسيخ التماسك المجتمعي.
مواجهة العنف ضد الأطفال
وفي ختام الحوار أكدت الممثلة الخاصة أن مواجهة العنف ضد الأطفال، خاصة في البيئة الرقمية، تتطلب نهجاً شاملاً يجمع بين التشريعات القوية والتوعية المجتمعية والتعاون الدولي، إلى جانب إشراك شركات التكنولوجيا بشكل فعّال في تطوير منصات أكثر أماناً للأطفال.
وشددت على أن الأطفال ليسوا مجرد مستخدمين سلبيين للفضاء الرقمي، بل يمكنهم أن يكونوا شركاء فاعلين في بناء بيئة إلكترونية أكثر أماناً إذا ما تم تمكينهم بالمعرفة والمهارات اللازمة، كما دعت الدول إلى تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات لضمان تطوير سياسات متكاملة تحمي الأطفال من العنف في جميع البيئات، سواء في العالم الواقعي أو الرقمي.
واختتمت مجيد كلمتها بتأكيد أن حماية الأطفال مسؤولية جماعية تتطلب التزاماً مستمراً من المجتمع الدولي، مشيرة إلى أن التحديات الجديدة التي يفرضها التحول الرقمي لا يمكن مواجهتها إلا من خلال العمل المشترك بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لضمان مستقبل أكثر أماناً للأجيال القادمة.











