تقرير أممي: مليارا شخص حول العالم يفتقرون إلى مياه الشرب المأمونة
في إطار الدورة الـ54 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف
استعرض المقرر الخاص المعني بحق الإنسان في مياه الشرب المأمونة وحقه في خدمات الصرف الصحي، بيدرو أروخو، تقريره "إعمال حقوق الإنسان لمن يعيشون في فقر، واستعادة صحة النظم الإيكولوجية المائية: تحديان متلاقيان"، ضمن فعاليات الدورة الـ54 لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة خلال الفترة من 11 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 2023، في جنيف.
ويرى المقرر الخاص، أن توفير مياه الشرب للملياري شخص الذين لا يتمتعون بإمكانية الحصول عليها بشكل مضمون، ومعظمهم يعانون من الفقر الشديد، أمر لا يمكن تحقيقه إلا إذا أُحرِز تقدم في استعادة الحالة الجيدة للنظم الإيكولوجية المائية التي تزودهم بالمياه.
ويركز التقرير على مشكلات تلوث الأنهار والبحيرات والأراضي الرطبة وطبقات المياه الجوفية واستغلالها استغلالا مفرطا وسوء إدارتها وتأثير ذلك على حق الإنسان في مياه الشرب المأمونة وحقه في خدمات الصرف الصحي.
ويوضح التقرير بصورة خاصة كيف أن التلوث السام للمياه بالمعادن الثقيلة وغيرها من الملوثات يشكل خرقا ليس فقط في الحق في مياه الشرب، ولكن أيضا الحق في الصحة والحياة لملايين الناس.
ويؤكد المقرر الخاص في تقريره أن حق الإنسان في مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي وبيئة نظيفة وصحية ومستدامة هي حقوق تسير جنبا إلى جنب مع تعزيز استراتيجيات التكيف مع التغيرات المناخية من أجل مواجهة ما يسببه هذا التغيير من مخاطر متزايدة بحدوث حالات الجفاف والفيضانات.
ويرى المقرر الخاص أن القول بأن أزمة المياه العالمية هي نتيجة لندرة المياه العذبة على كوكب الأرض، هو أمر مبسط ومضلل، وهو يطمس القضايا الحقيقية البالغة الأهمية التي يجب اتخاذ إجراءات بشأنها.
ويوضح أن معظم الأشخاص البالغ عددهم 2 مليار شخص، الذين ليست لديهم إمكانية الحصول على مياه الشرب المأمونة أناس فقراء يعيشون بجوار أنهار أو طبقات مياه جوفية ملوثة، بمواد سمية في كثير من الأحيان، أو مستغلة بشكل مفرط بسبب الأنشطة الزراعية والصناعية المتسمة بإساءة الاستخدام وعدم الاستدامة.
ويرى المقرر الخاص أن جذور أزمة المياه العالمية تكمن في عدم استدامة نموذج التنمية الحالي القائم على نموذج الهيمنة على الطبيعة، وفي جشع الأغنياء وانعدام مسؤوليتهم، وأنه من الضروري التحرك نحو نموذج تجديد بيئي قائم على الاستدامة مع تعزيز الحوكمة الديمقراطية للمياه القائمة على نهج حقوق الإنسان.
النظم الإيكولوجية المائية
تدير النظم الإيكولوجية المائية، مثل الأراضي الرطبة والأنهار والبحيرات، بما في ذلك أشجار المانغروف والبحيرات في مناطق الدلتا ومصبات الأنهار.. فالمياه السطحية للدورة المائية وهي العمود الفقري للحياة في الجزر والقارات، ولكنها تؤثر أيضا بدرجة كبيرة على الحياة البحرية الساحلية والنظم الإيكولوجية، كما أنها توفر السلع والخدمات الأساسية لرفاه الإنسان والتنمية الاقتصادية.
وتوفر النظم الإيكولوجية المائية المياه لأغراض الشرب والصرف الصحي، والترفيه، والري، ومصايد الأسماك، وإنتاج الطاقة، والنشاط الاجتماعي، وهي تحافظ على القيم الروحية.
الأراضي الرطبة
على الرغم من أن جميع النظم الإيكولوجية المائية تعمل كمحطات طبيعية لمعالجة المياه، فإن الأراضي الرطبة هي نظم محطات معالجة ضخمة طبيعية للدورة المائية، حيث تقوم النباتات والكائنات المجهرية بهضم المواد العضوية المتولدة في الطبيعة والمجتمعات، كما أنها تحتفظ بالرواسب بل وتزيل الملوثات السمية، وتشير التقديرات إلى أن الأراضي الرطبة وحدها يمكنها إزالة ما نسبته 20 إلى 60% من المعادن الثقيلة التي تلوث المياه.
المياه الجوفية
تعد طبقات المياه الجوفية رئة مياه الطبيعة في الجزر والقارات، إذ تخزن وتدير 99% من المياه العذبة السائلة على الكوكب، وتحافظ طبقات المياه الجوفية على النظم الإيكولوجية المائية وتغذي التدفقات الأساسية للأنهار، حتى عندما لا يوجد مطر.
وتوفر المياه الجوفية نصف المياه المسحوبة لغرض الاستعمال المنزلي في العالم، كما أن معظم الإمدادات المتأتية من الأنهار والبحيرات والأراضي الرطبة يعتمد على طبقات المياه الجوفية.
وتوفر طبقات المياه الجوفية سبيل الوصول إلى المياه أمام كثير من المجتمعات الريفية والفقيرة، ولا سيما في المناطق القاحلة وشبه القاحلة مثل إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا، حيث توجد أعداد كبيرة ولكن متناثرة من السكان الريفيين، ويستخرج من طبقات المياه الجوفية نحو 25% من مياه الري.
ويرى التقرير أنه يمكن لطبقات المياه الجوفية المستغلة بشكل مفرط، إذا أُديرت إدارة جيدة، أن تكون احتياطيات استراتيجية لإدارة حالات الجفاف غير العادية التي يفاقمها تغير المناخ.
ويقدر معدل انخفاض تخزين المياه الجوفية العالمية بما يتراوح بين 100 و300 كيلومتر مكعب/ سنة، وهو ما يمثل نحو 20% من مجموع المياه التي يجري ضخها حاليا.
أسباب تردي النظم الإيكولوجية المائية
أرجع التقرير أسباب تردي النظم الإيكولوجية المائية إلى تفاعل الضغوط المتعددة والمتراكمة المدفوعة بالأنشطة البشرية التي تهدد أو تقوض مصادر المياه لمليارات الأشخاص الذين كثيرا ما يعانون من الفقر.
وتعرض التقرير بالتفصيل للعديد من هذه الأسباب ومنها:
- التلوث السام، الناجم عن المعادن الثقيلة وأشباه الفلزات والمواد السمية.
- التلوث الأحيائي والعضوي والتلوث بالمغذيات.
- التلوث الجيوجيني أو (الجيولوجي المنشأ) وهو تلوث المياه بالزرنيخ في بعض طبقات المياه الجوفية.
- النمو غير المستدام للري، والاستغلال المفرط لطبقات المياه الجوفية، والإفراط في تخصيص حقوق الاستخدام.
- النمو السكاني، حيث يؤدي نمو المناطق الحضرية الكبيرة إلى طلبات على المياه يمكن أن تستنفد تدفقات النظم الإيكولوجية المائية.
- تسليع المياه وخصخصة إدارة المياه، واعتبار المياه مجرد سلع اقتصادية، وما يمثل ذلك من خطر استدامة النظم الإيكولوجية المائية.
- الاستيلاء على الأراضي والمياه، والذي ينطوي في كثير من البلدان على اختلاس الموارد من المجتمعات المحلية.
- صرف المياه ونزحها من الأراضي الرطبة، والذي يكون مدفوعا بخطط التنمية غير المستدامة.
- الاعتداء على مجاري الأنهار والنظم الإيكولوجية المشاطئة، من أجل التنمية الحضرية والأنشطة الإنتاجية.
- تأثيرات المشاريع الهيدروليكية العملاقة، وهو ما أدى إلى التشريد القسري لما بين 40 و80 مليون شخص تأثروا بشكل مباشر بالفيضانات التي أصابت وديانهم.
- تأثيرات تغير المناخ، حيث قدر التقرير عدد الأشخاص المعرضين لخطر الفيضانات من 1.2 مليار إلى 1.6 مليار في السنوات الثلاثين القادمة.
حق الإنسان في المياه
وفي هذا الصدد تناول التقرير، تأثير تردي النظم الإيكولوجية المائية على حق الإنسان في مياه الشرب المأمونة وحقه في خدمات الصرف الصحي من حيث: التوافر، وإمكانية الموصول، والقدرة على تحمل التكلفة، والجودة والسلامة.
التداخل بين الفقر والنظم الإيكولوجية المائية
لاحظ المقرر الخاص التداخل بين تردي النظم الإيكولوجية المائية، والفقر والافتقار إلى إمكانية الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي، مشيرا إلى أن الأنشطة البشرية التي تسبب استنفاد وتلوث النظام الإيكولوجي المائي (وهو تلوثا كثيرا ما يكون ساما)، وتؤثر على مياه الشرب، تقع بشكل غير متناسب في أقاليم الشعوب الأصلية والمجتمعات المنحدرة من أصل إفريقي والمجتمعات التي تعاني من التمييز بسبب النَسب والعمل، مثل "الداليت" وجماعات أخرى، وبصورة عامة في أقاليم المجتمعات الريفية الفقيرة، التي ليس لديها إمكانية الوصول إلى سبل انتصاف فعالة لمواجهة هذه المشكلات الخطيرة.
وأشار المقرر الخاص، على سبيل المثال، إلى أنه في المتوسط تُجرى معالجة 8% فقط من مياه الصرف الصحي المنزلية والصناعية في البلدان منخفضة الدخل، بالمقارنة بـ70% في البلدان المرتفعة الدخل.
وحتى إذا أُخذ مثال بلد غني مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فقد أظهرت الدراسات أن اعتبارات العرق الإثني واللغة كان لها أقوى علاقة بالتطبيق البطيء وغير الكافي لقانون مياه الشرب المأمونة على مستوى المقاطعات.
واستنادا إلى بيانات ومقترحات منظمة الصحة العالمية يمكن أن يحصل مليارا شخص على مياه شرب مأمونة بتكلفة قدرها 8 مليارات دولار، أي 4 دولارات للفرد الواحد، ويعني حجم التكاليف هذا، أنه يمكن تحمله إذا جرى منحها الأولوية في الميزانيات.
ويؤدي الإفراط في استغلال النظم الإيكولوجية المائية واحتكارها وتلويثها إلى إثراء الذين يروجون إلى هذه الأنشطة، مع استمرار انتهاكات حقوق الإنسان، وتزايد أزمة الفقر، مكملين بذلك حلقة مفرغة غير عادلة.
ويقود تردي النظم الإيكولوجية المائية إلى الحد من المدخلات الأساسية التي تدخل في سبل عيش الفقراء، وإلى التسبب في الأمراض والتأثير على التعليم.
النساء والفتيات
أشار التقرير إلى أنه عندما تجف مصادر المياه القريبة أو تتلوث، تضطر النساء والفتيات بشكل رئيسي إلى قضاء وقت أكبر والمخاطرة بالتعرض للعنف الجنساني لاضطرارهن إلى جلب المياه من أماكن أبعد، وهن أيضا من يعتني بالأشخاص الذين يمرضون بسبب تلوث المياه، ويقطعن جزءا من وقتهن المخصص للعمل لذلك، كما يدفع ذلك الفتيات إلى ترك المدرسة.
الأطفال
يؤدي الافتقار إلى مياه الشرب المأمونة المقترن بمعدلات الفقر المرتفعة إلى حدوث أعلى معدل لوفيات الرضع، فالإسهال على سبيل المثال يقتل كل عام نحو 525 ألف طفل دون الخامسة.
ويعد الأطفال المنتمون إلى المجتمعات ذات الدخل المنخفض التي تعاني من التمييز والتهميش، معرضين لخطر أكبر، بسبب سوء التغذية.
ذوو الإعاقة
يمثل الفقر والتلوث والافتقار إلى المياه عبئا أكبر على الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما في المستوطنات التي يكون فيها التنظيم المجتمعي ضعيفا، كما أن الأمراض التي تنقلها المياه بسبب التلوث الفيروسي أو الجرثومي هي سبب رئيسي للإعاقة في جميع أنحاء العالم.
المنحدرون من أصل إفريقي
تستهدف الصناعات الملوثة المجتمعات المنحدرة من أصل إفريقي استهدافا غير متناسب، ما يؤثر على النظم الإيكولوجية المائية التي تسحب من هذه المجتمعات مياه الشرب لأغراض الاستخدام المنزلي، وينطوي توفير مياه الشرب المأمونة على تكاليف مرتفعة لا يمكن لكثير من الأسر ذات الدخل المنخفض أن تتحملها، وهو ما يجبرها على استهلاك المياه غير الصالحة للشرب.
الشعوب الأصلية
يتفاقم فقر الشعوب الأصلية والتمييز الذي تتعرض له بسبب المشاريع المقامة في أراضيها والتي تلوث مياهها أو تستولي عليها دون التشاور معها أو دون موافقتها موافقة حرة ومسبقة ومستنيرة، وفي كثير من الأحيان تكون البنية التحتية للمياه في مجتمعات السكان الأصليين أدنى بكثير من مثيلتها في مجتمعات السكان غير الأصليين.
الحلول
يرى المقرر الخاص أن الفهم الأفضل للهندسة الخضراء الطبيعية التي تدير الدورة المائية يمكّن من إيجاد خيارات إدارة المياه الأكثر فعالية من حيث التكلفة من أجل توفير مياه الشرب المأمونة وإيجاد استراتيجيات للتكيف مع التغير المناخي، كذلك فإن تطبيق نهج حقوق الإنسان القائم على مبادئ المساواة وعدم التمييز والوقاية، والتحوط وعدم التراجع واحترام ودعم المجتمعات الفقيرة والضعيفة التي تعتمد على هذه النظم الإيكولوجية، ومن شأنه أن يؤدي إلى حلول أكثر استدامة وأكثر معقولية من الناحية الاقتصادية وأكثر عدالة.
الاستنتاجات
استنتج التقرير أن ضمان حق الإنسان في مياه الشرب المأمونة وحقه في خدمات الصرف الصحي، يتطلب التزام الدول بإدارة النظم الإيكولوجية المائية.
وأكد التقرير أنه على الرغم من خطورة تلوث المياه بالمواد السامة والمعادن الثقيلة فإن مكافحة التلوث ليست من بين الإجراءات المعرفة على أنها جرائم ضد الإنسانية في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
خلص التقرير إلى أن الإفراط في استغلال طبقات المياه الجوفية والإفراط في تخصيص حقوق المياه، وإعطاء الأولوية الفعلية في استخدام المياه للأنشطة الإنتاجية التي تقوم بها جهات فاعلة قوية، هي جميعها انتهاكات لحقوق عامة الناس في الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي وستتفاقم بسبب تغير المناخ.
مجلس حقوق الإنسان
ويعقد مجلس حقوق الإنسان (تأسس عام 2006) ما لا يقل عن 3 دورات عادية في العام، لفترات مجموعها 10 أسابيع على الأقل، وهي تُعقد في أشهر مارس (لمدة 4 أسابيع) ويونيو (لمدة 3 أسابيع)، وسبتمبر (لمدة 3 أسابيع).
يجوز لمجلس حقوق الإنسان -إذا طلب ثلث الدول الأعضاء (عددها 47)- أن يقرر في أي وقت عقد دورة استثنائية لتناول انتهاكات وطوارئ حقوق الإنسان.








