خلال استعدادهم لإعداد السحور.. شهود عيان يروون لـ«جسور بوست» ساعات الرعب في غزة

خلال استعدادهم لإعداد السحور.. شهود عيان يروون لـ«جسور بوست» ساعات الرعب في غزة

يوم الثلاثاء الماضي، استأنفت قوات الجيش الإسرائيلي حربها على قطاع غزة بشكل مفاجئ، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، إذ شنت سلسلة من الغارات العنيفة على مناطق متفرقة من القطاع، ما أسفر عن استشهاد قرابة 419 شخصًا، فضلًا عن مئات الجرحى.

كان الأمر مفاجئًا، إذ لم تكن هناك تحذيرات أو إشارات تدل على احتمالية العودة إلى الحرب، ولا سيما أن اتفاق وقف إطلاق النار ما يزال ساريًا، فوجئ الآلاف من النازحين في القطاع بسلسلة من الغارات العشوائية التي أشعلت النيران في الخيام والتجمعات السكنية وأماكن النزوح.

تحكي شيماء خالد، وهي زوجة وأم من قطاع غزة، عن أهوال الحرب وكيف تبدّلت الحال في دقائق معدودة من الاستعداد للنوم وتجهيز السحور إلى الهروب واحتضان الأطفال بحثًا عن لحظات من الأمان بين أفراد العائلة.

وتقول شيماء: "كنت وزوجي وأولادي في منزلنا، وكانت ابنتي الصغيرة تحاول النوم، وفجأة بدأ القصف في كل مكان، لم نعرف من أين يأتي، واستيقظ أطفالي مفزوعين، شعرنا بالرعب، السماء تلونت باللون الأحمر من كثرة القصف، والدخان كان يتصاعد من كل مكان، لجأنا إلى غرفة داخلية لنشعر ببعض الأمان، لكننا ظللنا خائفين، لا نعرف ماذا سيحدث لنا أو ما الذي يجري، فقد كنا نظن أننا ما زلنا في هدنة".

لا نريد سوى أن نعود لحياتنا

تؤكد شيماء أن الأمر كان مفاجئًا للجميع، قصف عنيف وعشوائي، مضيفة: "الأوضاع حاليًا صعبة جدًا، عدنا إلى الحرب بعدما اعتقدنا أنها انتهت، وأننا سنكمل حياتنا رغم التحديات اليومية التي نعيشها من انعدام مقومات الحياة، نحن لا نريد سوى أن نعود لحياتنا الطبيعية من جديد، نريد الأمن والأمان لنا ولأطفالنا ولعائلاتنا".

 

لم يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة إلى سماح عمر، وهي شابة من قطاع غزة، حيث وصفت المشهد بأنه أكثر دموية، فمنذ أكثر من عام ونصف العام، أصبحت الحياة هناك يغلفها الموت والخوف والرعب.

تقول سماح في حديثها لـ"جسور بوست":"الرعب هو ذاته، والموت يحيط بنا في كل دقيقة وكل لحظة، ننتظر الشهادة اليوم أو غدًا".

تشير سماح إلى انعدام مقومات الحياة داخل القطاع، قائلة: "إذا أردت التحدث عن الوضع الصحي، فأغلب المستشفيات دُمّرت، ولا توجد إمدادات طبية، أما البنية التحتية، فهي مدمرة بالكامل، والصرف الصحي غير موجود، والمياه شحيحة، حيث نضطر للوقوف في طوابير لثلاث ساعات لملء المياه، وكذلك الحال مع الخبز، المواصلات شبه معدومة، والمدارس والجامعات دُمّرت بالكامل.

وأصبح التعليم يعتمد على الإنترنت، رغم صعوبة توفيره، أكبر تحدٍّ نواجهه هو غياب الأمان، فالموت يحاصرنا في كل لحظة، خصوصًا بعد الاستهداف الأخير الذي حدث خلال الهدنة".

عندما تعود الحرب، يجد رجال الدفاع المدني أنفسهم داخل فوهة النار، فهم في قلب الحدث، يهرعون مع كل صوت انفجار، يحاولون انتشال الجثث من تحت الأنقاض، لا يدخرون جهدًا، ولا يعرفون سبيلًا للتباطؤ، فكل دقيقة قد تنقذ حياة.

إنقاذ ما يمكن إنقاذه

يروي محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، ساعات الرعب التي عاشها السكان، إذ ألقت القوات الإسرائيلية سيلًا من القنابل على حين غرة، خلال استعداد الأهالي لتجهيز وجبات السحور.

يقول بصل في حديثه لـ"جسور بوست": "الاستهداف الذي حدث في قطاع غزة عند الساعة 1:40 فجرًا كان هجومًا مكثفًا، حيث بدأت الطائرات الحربية بالقصف في جميع مناطق القطاع، شرقًا وشمالًا وجنوبًا، نحن نتحدث عن أكثر من 100 استهداف في الدقيقة نفسها، استهدفت منازل مأهولة بالسكان، ومراكز إيواء، ومدارس، وخيام النازحين."

كان الأهالي يستعدون لإعداد وجبة السحور داخل الخيام وأماكن النزوح، إلا أن الموت كان في انتظارهم، ساعات من الرعب والخوف سيطرت على الجميع، فيما كان دوي الانفجارات هائلًا بشكل لا يصدق.

بدأت طواقم الدفاع المدني العمل بشكل سريع، وانتشرت الفرق في مجموعات لتنفيذ عمليات الإنقاذ الممكنة وانتشال الضحايا، وتشير التقديرات الأولية إلى وقوع أكثر من 400 شهيد، بينهم 170 طفلًا و89 امرأة، فضلًا عن الأعداد الكبيرة من الجرحى.

يضيف بصل:"هناك الكثير من الشهداء ما يزالون تحت أنقاض المنازل، ولا يمكن إخراجهم بسبب صعوبة الوضع وانعدام الإمكانات والقدرات اللازمة في قطاع غزة".

وفقًا لـ"هيئة البث الإسرائيلية"، شنت القوات الجوية موجة من الهجمات في جميع أنحاء قطاع غزة، بناءً على أوامر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت اللذين أصدرا تعليمات للجيش الإسرائيلي بالتحرك بقوة.

ونقل موقع "أكسيوس" عن مصادر مطلعة في مكتب نتنياهو أن إسرائيل استأنفت عملياتها العسكرية في غزة، مستهدفة قيادات في حركة حماس.

يؤكد بصل أن القصف لم يكن عشوائيًا، بل كان موجهًا إلى منازل مأهولة بالسكان، وخيام النازحين، وكذلك مستشفيات ومراكز إيواء، مضيفًا: "لم يكن هناك أي تحذير مسبق، بل وقع الأمر بشكل مفاجئ ومربك للجميع".

أزمات المستشفيات

قدرة القطاع الصحي في غزة ضعيفة للغاية وقد تكون مدمرة بالكامل، إذ تعاني المستشفيات نقصًا حادًا في الأسرة والأدوية والأجهزة الطبية، حيث يقول رائد النمس، المتحدث باسم الهلال الأحمر: "المستشفيات القليلة التي لا تتعدى ستة مستشفيات ما تزال تعمل، لكنها تعاني من عدم قدرتها على استيعاب المزيد من الجرحى بسبب امتلاء أقسامها، كما تعاني نقصًا حادًّا في الموارد الطبية، مثل الوقود والأكسجين وأدوات التخدير والتعقيم، ما يحدّ من نوعية الخدمات الطبية المقدمة".

ويضيف: "الهجمات الإسرائيلية خلال الـ48 ساعة الماضية زادت من حدة المأساة الإنسانية والصحية، ولا سيما مع خروج العديد من المستشفيات عن الخدمة. استمرار الاعتداءات وما تخلفه من إصابات يشكل عائقًا كبيرًا أمام تقديم الخدمات الطبية، حيث إن المستشفيات مكدسة بالمرضى، وتعاني نقصًا شديدًا في الموارد الطبية. 

بالإضافة إلى ذلك، ما تزال المعابر مغلقة، ما يمنع وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية والإغاثية، ما يشكل تهديدًا حقيقيًا بكارثة إنسانية ما لم تكن هناك جهود دولية لوقف العدوان وتوفير الإمدادات اللازمة."

من جانبه، يوضح وائل أبو عمر، مدير إعلام معبر رفح، أن الخدمات في القطاع تفتقر إلى الإمكانات الأساسية اللازمة لمواجهة حجم الدمار الحاصل.

يقول أبو عمر في حديثه لـ"جسور بوست": "الواقع الصحي مأساوي، والمستشفيات غير قادرة على التعامل مع العدد الكبير من الجرحى، حيث يصل أحيانًا أكثر من 100 مصاب إلى مستشفى واحد في الدقيقة نفسها، وهو ما يفوق طاقته التشغيلية".

ويختتم حديثه، قائلًا: "إذا استمر هذا التصعيد، فسنخسر آلاف المواطنين الذين لن يكون بمقدور الطواقم الطبية تقديم العلاج لهم بسبب الإمكانات المحدودة".



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية