التحديات الاقتصادية للمناخ.. مسار عالمي يتسارع وسط أزمات متشابكة
التحديات الاقتصادية للمناخ.. مسار عالمي يتسارع وسط أزمات متشابكة
لم تعد التغيرات المناخية مجرد قضية بيئية بحتة، بل تحولت إلى أزمة شاملة تهدد الاقتصادات الوطنية، حيث تفرض هذه التغيرات المتزايدة ضغوطًا هائلة على الاقتصادات الوطنية والأسواق العالمية، وتظهر التحديات في صورة كلفة متصاعدة للكوارث الطبيعية، وضغوط على قطاعات الطاقة والزراعة، إلى جانب مطالبات متزايدة بتسريع التحول نحو اقتصاد أخضر.
وأوضحت رئيسة صندوق المناخ الأخضر، مافالدا دوارتي، أن العالم بحاجة إلى "نطاق مختلف من الاستثمارات" لمواجهة العواقب الاقتصادية للطقس المتطرف، وأكدت أن الدول النامية ستكون هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان العالم سيتمكن من البقاء ضمن حدود 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو الهدف المركزي لاتفاقية باريس للمناخ.
وأشارت دوارتي، في حوار مع صحيفة "فايننشيال تايمز، الجمعة، إلى أن الصندوق، الذي يعد أكبر أداة تمويل مناخية متعددة الأطراف بقيمة 21 مليار دولار، يضطلع بدور أساسي في دعم التحول الأخضر في الدول النامية، ويعتمد الصندوق في تمويله على الدول الغنية، حيث تُعد المملكة المتحدة من أكبر المساهمين بعد أن تعهدت بنحو 5.1 مليار دولار، فيما تعهدت الولايات المتحدة في عهد الرئيسين باراك أوباما وجو بايدن بمبلغ 6 مليارات دولار، لم يُسدّد منها سوى ملياري دولار، قبل أن يُوقف الرئيس دونالد ترامب 4 مليارات دولار كانت مقررة.
وحذرت دوارتي من أن التباطؤ في تمويل مشروعات المناخ، إلى جانب تحويل ميزانيات المساعدات نحو الإنفاق الدفاعي، يعطل قدرة الصندوق على دعم الفئات الأكثر تضرراً من التغير المناخي، موضحة أن الدول النامية تواجه ارتفاعاً متسارعاً في الانبعاثات بسبب التصنيع وارتفاع الطلب على الطاقة، وهو ما يجعلها في صلب المعادلة المناخية العالمية.
خسائر اقتصادية محتملة
في مارس، عرضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، في تقرير مشترك مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقديرات خطيرة بشأن كلفة أزمة المناخ، وبيّنت أن استمرار الانبعاثات دون خفض جدي قد يؤدي إلى فقدان ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال هذا القرن.
أوضحت المنظمة أن اتخاذ إجراءات طموحة لخفض الانبعاثات يمكن أن يحقق نتائج إيجابية، حيث توقعت أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي العالمي زيادة صافية بنسبة 0.23% بحلول عام 2040، ترتفع مع حلول عام 2050 إذا احتُسبت الفوائد المترتبة على تجنب الكوارث المناخية.
وأشار التقرير إلى أن الاقتصادات الأكثر تقدماً ستشهد زيادة قدرها 60% في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2050، في حين سترتفع هذه النسبة إلى 124% في الدول ذات الدخل المنخفض مقارنة بمستويات عام 2025.
كما توقع أن يؤدي الاستثمار المبكر في خفض الانبعاثات إلى انتشال 175 مليون شخص من الفقر بحلول نهاية العقد الجاري.
ومن جانبه، حذّر الأمين التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أخيم شتاينر، من أن الأدلة المتاحة تثبت أن الاستثمار في التحول المناخي لا يعوق النمو الاقتصادي، بل يعزز النمو على المدى الطويل، وأكد أن الفوائد قد تبدو محدودة في البداية، لكنها تتضاعف تدريجياً.
تهديد مباشر للاستقرار المالي
وفي يوليو الماضي، نبّهت نائبة محافظ بنك إنجلترا للاستقرار المالي، سارة بريدن، إلى أن تغير المناخ يمثل تهديداً متزايداً للاقتصاد البريطاني، خاصة من خلال الضغوط التضخمية الناتجة عن الطقس المتطرف.
أوضحت بريدن أن ما كان يُنظر إليه في السابق على أنه "مخاطر بعيدة" أصبح الآن واقعاً ملموساً، مشيرةً إلى أن صدمات الإمداد الناتجة عن الفيضانات والحرائق وارتفاع درجات الحرارة تدفع الأسعار إلى الارتفاع بطرق يصعب على البنوك المركزية احتواؤها.
وأظهرت دراسة للبنك المركزي الأوروبي أن أسعار الغذاء العالمية قد ترتفع ما بين 1 و3 نقاط مئوية بحلول عام 2035 إذا لم تتكيف السياسات، وهو ما سيضيف ما بين 0.3 و1.2 نقطة مئوية إلى معدل التضخم العام.
وقدّر بنك إنجلترا أن السياسات المتعلقة بأسعار الكربون أسهمت بمقدار نقطة مئوية كاملة في الارتفاع المؤقت للتضخم بين عامي 2021 و2023، وهي الفترة التي تجاوز فيها معدل التضخم في المملكة المتحدة 11%.
وأشارت بريدن إلى أن أسعار الطاقة والغذاء، بوصفها عنصراً رئيسياً في ميزانيات الأسر، تؤثر بشكل مباشر في توقعات التضخم وعلى قرارات تحديد الأسعار والأجور.
وحذرت من أن أسواق السندات لا تعكس بعد المخاطر الكاملة للظواهر المناخية، وأن أي إعادة تسعير مفاجئة قد تؤدي إلى تغييرات حادة في أسعار الفائدة، ما يهدد استقرار المؤسسات المالية الكبرى خارج القطاع المصرفي.
الحاجة إلى حشد عالمي
في حوارها مع "فايننشيال تايمز"، شددت دوارتي على أن مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP30، المقرر عقده في البرازيل، سيكون لحظة محورية لمحاولة سد فجوة التمويل، حيث يتطلب تمويل المناخ الدولي ما يصل إلى 1.3 تريليون دولار سنوياً، في حين التزمت الدول الغنية حتى الآن بتوفير 300 مليار دولار بحلول عام 2035.
وأكدت أن الاستثمارات المتوافقة مع المناخ تُعد في جوهرها "أجندة مؤيدة للفقراء"، لأنها تحمي المجتمعات الأضعف من الكوارث المناخية وتوفر فرصاً للنمو، ودعت إلى حشد القطاع الخاص، معتبرة أن الغالبية العظمى من التمويل يجب أن تأتي من الاستثمارات الخاصة، مع قيام الصندوق الأخضر بتقليل المخاطر في الدول النامية.
واختتمت بالتأكيد على أن الأدلة العلمية تُشير بوضوح إلى أن "الوضع أسوأ مما كنا نعتقد"، وأن كلفة التقاعس عن العمل تتجاوز بكثير كلفة الاستثمار في الحلول المناخية.