إغلاق منافذ المعرفة.. حظر الكتب في كشمير بين الأمن والحقوق

إغلاق منافذ المعرفة.. حظر الكتب في كشمير بين الأمن والحقوق
كتب محظورة في كشمير

في مطلع أغسطس 2025 أصدرت إدارة الاتحاد الهندي الإقليمي لجامو وكشمير قراراً يقضي بمصادرة، ”مصادرة لمصلحة الدولة”، 25 كتاباً أكاديمياً وصحفياً تتناول تاريخ وسياسة كشمير.

وذكرت السلطات أن المواد تحضّ على “سرديات زائفة” و”دعوات للانفصال” ومجدّت أعمال عنف، وأثار القرار موجة استنكار محلية ودولية على نحو سريع، إذ تضمن ألقاباً معروفة، بينها أعمال للكاتبة الأرونداتي روي وعناوين لعلماء ومؤرخين وصحفيين كتبوا عن تطورات الصراع والحقوق والذاكرة في الإقليم. 

استند القرار إلى نصوص في القانون الجنائي الجديد ذات صياغات واسعة دخلت حيز التطبيق عام 2023، وهي المادة التي تسمح بإعلان منشورات “مُسبغة” بجرائم معينة على أنها قابلة للمصادرة، مع تمكين أجهزة الأمن من مداهمة المكتبات والباعة وحتى المنازل للعثور على نسخ من العناوين الممنوعة.

واعتبر حقوقيون أن الصياغة الواسعة للنص تفتح الباب أمام توسيع نطاق التجريم لتشمل التحليل الأكاديمي والتوثيق التاريخي، وتحوّل حيازة كتاب أو توزيع ورقة بحثية إلى سلوك يمكن أن يُعاقب عليه بالقوة وفق مؤسسة "حرية الإنترنت".

ردود فعل حقوقية

تحالفات حقوقية دولية بارزة أدانت القرار بدلالة واضحة على خطر تقييد حرية التعبير والحرية الأكاديمية، وحذّرت من أن خطوة المصادرة تسهم في تآكل الفضاء المدني المتبقي في إقليم جامو وكشمير وتعرقل توثيق انتهاكات محتملة، كما أصدرت منظمات مثل الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب بيانات تضامنية تندّد بحظر الكتب وتعتبره استمراراً لمنهج واسع في كبت النقاش والبحث، ودعت إلى رفع الإجراء فوراً وضمان حماية الباحثين والمدافعين عن الحقوق. 

أفادت تقارير إخبارية وطنية ومحلية بأن الشرطة الهندية نظمت مداهمات لمكتبات ومنافذ بيع في سريناغار ومدن أخرى، وجرى إنزال قوائم بالعناوين الممنوعة، في حين أبدى أصحاب المكتبات سخطهم وخشيتهم التعرّض للمساءلة القانونية.

وتسببت هذه المشاهد -المداهمات والتفتيش والتهديد بمصادرة المحتوى من مجموعات خاصة وحتى من منازل أفراد- في تعزيز شعور القلق لدى الباحثين والصحفيين وأدت إلى موجة من الرقابة الذاتية بين من يعملون على ملفات كشمير

الخطاب الرسمي والاتهامات

تؤكد السلطات أن الحظر يهدف إلى منع “التطرف” والأعمال التي تروّج للعنف، لكن المنظمات الحقوقية ترد بأن التمييز بين التحريض العنيف والبحث الأكاديمي مشروع وضروري، ويمكن أن يكون تقييد المواد العلمية والصحفية إضراراً بالحق في الوصول إلى المعلومات وبالذاكرة التاريخية الضرورية لأي مساءلة مستقبلية، وعلى مستوى المعايير الدولية، تُلزم اتفاقيات حقوق الإنسان الدول بحماية حرية الفكر والتعبير.

وتفرض ضوابط ضيقة ومحددة للحظر لا تصل إلى حد تجريد الباحث من أدواته العلمية إلا في حالات محددة وبموجب محاكمات عادلة ومقتضيات واضحة، وفق "هيومن رايتس ووتش".

مشهد تراجع الحريات

لا يمكن قراءة خطوة الحظر بمعزل عن سياق أوسع بدأ يتشكّل منذ إلغاء الحكم الذاتي الإقليمي لإقليم جامو وكشمير في أغسطس 2019، وما تلاه من تشديد إداري وأمني، وقيود على الإعلام وانتهاكات مُبلَّغ عنها ضد مدافعي حقوق الإنسان، فخلال السنوات الماضية تكاثرت الشكاوى بشأن استخدام تشريعات أمنية واسعة وصياغات فضفاضة للحد من النقاش العام، وهو ما يجعل قرار حظر الكتب جزءاً من نمط متسق للسيطرة على السرد التاريخي والسياسي في الإقليم. 

حظر الكتب لا يمس المحتوى المطبوع فحسب، بل يؤثر في القدرة على الحفاظ على ذاكرة الأزمة وتجميع الأدلة والتوثيق، ويعتمد الأكاديميون ومراكز البحوث التي وثّقت انتهاكات لحقوق الإنسان على مصادر ومراجع تعدُّ الآن “محظورة”؛ ما يعني خطر فقدان مادة أسانيد بها دراسات وتقارير قد تُستخدم لمساءلة الانتهاكات أو لفهم التحولات التاريخية، كما أنه يعوق التعليم الجامعي والبحث ويحفز رقابة ذاتية قد تستمر سنوات. 

الآليات الدولية لحقوق الإنسان توفّر مسارات للضغط منها تقديم شكاوى إلى هيئات الأمم المتحدة، وتقارير مستقلة، ومناشدات لأجهزة الأمم المتحدة المعنية بحرية التعبير، و على المستوى الجنائي، لا يرتبط حظر كتب مباشرة بجرائم دولية تُحاكم أمام محاكم جنائية دولية، لكنه يدخل ضمن سياق واسع من الانتهاكات التي قد تُستخدم دليلاً في سياق ممارسات تمييزية أو اضطهاد منهجي. من ناحية أخرى، يمكن لإجراءات محلية أو قضايا في المحاكم الوطنية أو طلبات حماية دولية أن تُحدِث ضغطاً سياسياً وقانونياً للتراجع عن الحظر أو تقييده. 

وتدعو منظمات حقوقية إلى إلغاء الحظر فوراً، وإلى وقف مداهمات الكتب والملاحقات بحق الباحثين والصحفيين، وإلى فتح قنوات للحوار مع مجتمع النشر والأكاديميين لتحديد معايير شفافة تُراعي الأمن دون المساس بالحريات الأساسية، كما تطالب بآليات مستقلة لمراجعة مثل هذه القرارات والاعتماد على قضاء نزيه بدل اتخاذ أحكام إدارية مباشرة قد تفتقر إلى ضمانات العدالة. 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية