من الاستضافة إلى الطرد الجماعي.. جدل حقوقي حول مصير ملايين الأفغان في باكستان
من الاستضافة إلى الطرد الجماعي.. جدل حقوقي حول مصير ملايين الأفغان في باكستان
دخلت أزمة اللاجئين الأفغان في باكستان منعطفاً خطراً بعد إعلان إسلام آباد خطتها لبدء ترحيل مئات الآلاف من الأفغان اعتباراً من الأول من سبتمبر 2025.
أثارت هذه الخطة إدانات واسعة من خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية محلية ودولية، وسط تحذيرات من أن تنفيذها سيشكل خرقاً واضحاً للقانون الدولي ويعرض حياة العائدين لمخاطر جسيمة.
وبينما تستند باكستان إلى مبررات أمنية واقتصادية لتبرير القرار، فإن الأزمة تحمل أبعادا إنسانية وتاريخية عميقة تضعها في صميم الجدل الدولي حول حقوق اللاجئين.
من الجوار إلى المأوى
منذ الغزو السوفييتي لأفغانستان في عام 1979، تحولت باكستان إلى ملاذ رئيسي للاجئين الأفغان، حيث تدفق إليها ملايين الفارين من الحرب والاضطرابات، وخلال العقود الأربعة الماضية، ظل البلد من أكبر الدول المستضيفة للاجئين على مستوى العالم، إذ تشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من أربعة ملايين أفغاني عاشوا في باكستان في مراحل مختلفة، بينهم أجيال وُلدت ونشأت في الأراضي الباكستانية.
هذا الإرث الطويل من الاستضافة تحول اليوم إلى عبء ثقيل على الحكومة الباكستانية التي تواجه تحديات اقتصادية خانقة وأزمات أمنية متجددة، ما جعل اللاجئين الأفغان هدفاً سهلاً في الخطاب السياسي الداخلي.
وتندرج عمليات الترحيل ضمن "خطة إعادة الأجانب غير الشرعيين إلى وطنهم"، وهي سياسة أعلنتها الحكومة عام 2023 وشملت في بدايتها اللاجئين غير المسجلين، غير أن التطور الجديد هو شمول الأفغان حاملي بطاقات إثبات التسجيل، أي من يتمتعون بوضع قانوني سابق في البلاد.
تقول السلطات الباكستانية إن الخطة تهدف إلى حماية الأمن الوطني بعد تزايد العمليات المسلحة التي تتهم أطرافاً أفغانية بدعمها، إضافة إلى محاولة تخفيف الضغوط الاقتصادية في ظل ارتفاع معدلات التضخم والبطالة، كما يشير مسؤولون باكستانيون إلى أن المجتمع الدولي لم يقدم الدعم الكافي لتقاسم أعباء استضافة اللاجئين، ما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات أحادية.
انتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية
على الجانب الآخر، وصفت الأمم المتحدة قرار باكستان بأنه خرق واضح لمبدأ "عدم الإعادة القسرية"، وهو مبدأ أساسي في القانون الدولي يحظر إعادة الأشخاص إلى أماكن قد يتعرضون فيها للاضطهاد أو التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية.
وقال خبراء أمميون في بيان مشترك إن "عدم الإعادة القسرية ليس خياراً، بل التزام قانوني مطلق"، مستشهدين بالمذكرة التوجيهية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين لعام 2023، والتي أكدت أن الظروف في أفغانستان لا تزال غير آمنة لعودة جماعية.
وأشار البيان إلى أن النساء والفتيات الأفغانيات يواجهن خطراً خاصاً بسبب القيود المفروضة على التعليم والعمل والتنقل من جانب سلطات طالبان.
التداعيات الإنسانية والاجتماعية
تظهر الإحصاءات أن أكثر من ثلاثة ملايين أفغاني ما زالوا يعيشون في حالة نزوح داخلي أو خارجي منذ سيطرة طالبان على السلطة في أغسطس 2021.
وقد وثقت منظمة العفو الدولية أكثر من 750 ألف حالة ترحيل قسري من باكستان بين أكتوبر 2023 ومارس 2025، تخللتها اعتقالات تعسفية ومضايقات وتنميط عنصري بحق اللاجئين.
وتحذر منظمات إنسانية من أن عودة مئات الآلاف من اللاجئين بشكل مفاجئ ستفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية داخل أفغانستان، حيث يواجه أكثر من نصف السكان انعدام الأمن الغذائي، وفق تقارير برنامج الأغذية العالمي، كما سيؤدي الترحيل إلى زيادة الضغط على الخدمات الصحية والتعليمية الضعيفة أصلاً، فضلاً على ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
ردود الأفعال الدولية والحقوقية
قوبل القرار الباكستاني بانتقادات من منظمات حقوقية عدة، فقد دعت منظمة هيومن رايتس ووتش الحكومة إلى التراجع الفوري عن الخطة، مؤكدة أن "استخدام اللاجئين ورقة سياسية لن يحل مشاكل باكستان الداخلية بل يضاعف المعاناة الإنسانية".
من جهتها، طالبت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين الدول المانحة بزيادة الدعم المالي لباكستان، مؤكدة أن الحلول القسرية لا تعالج جذور الأزمة، وأن على المجتمع الدولي أن يشارك بشكل عادل في تحمل الأعباء، كما أشارت المفوضية إلى أن إعادة اللاجئين يجب أن تكون طوعية وكريمة، وليست جماعية أو مفروضة.
ورغم أن باكستان ليست طرفاً في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، إلا أنها ملزمة بموجب العرف الدولي باحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية. ويؤكد خبراء القانون الدولي أن هذا المبدأ أصبح جزءاً من القانون العرفي الملزم لجميع الدول دون استثناء.
كما أن التزامات باكستان بموجب اتفاقيات حقوق الإنسان الأخرى، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، تفرض عليها عدم إعادة الأشخاص إلى أماكن قد يتعرضون فيها لانتهاكات خطيرة.
أبعاد سياسية داخلية
يرى مراقبون أن القرار يعكس ضغوطاً سياسية داخلية متصاعدة، حيث تتعرض الحكومة لانتقادات بسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية، ويُستخدم ملف اللاجئين الأفغان أداة لتوجيه الغضب الشعبي نحو "الآخر الخارجي"، بدلاً من التركيز على إصلاحات بنيوية.
وتلعب العلاقات المتوترة بين إسلام آباد وكابول دورا في هذا السياق، إذ تتهم السلطات الباكستانية جماعات متمركزة في أفغانستان بالضلوع في هجمات داخل الأراضي الباكستانية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد.
ويدعو خبراء الأمم المتحدة المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي وتقني أكبر لباكستان من أجل إدارة أزمة اللاجئين بطريقة إنسانية، بما في ذلك توسيع برامج إعادة التوطين في دول ثالثة وتعزيز الحماية القانونية للاجئين، كما يشددون على أن معالجة جذور الأزمة تتطلب تحسيناً جوهرياً في وضع حقوق الإنسان داخل أفغانستان نفسها، وخاصة ما يتعلق بحقوق النساء والفتيات.
وتضع خطة باكستان لترحيل اللاجئين الأفغان المجتمع الدولي أمام اختبار جديد لقدرة النظام العالمي على حماية أكثر الفئات هشاشة، فبينما تتمسك إسلام آباد بمبرراتها الأمنية والاقتصادية، فإن المعايير الدولية تفرض احترام حقوق الإنسان قبل أي اعتبارات سياسية.
ومع استمرار معاناة ملايين الأفغان داخل بلادهم وخارجها، يظل البحث عن حلول إنسانية عادلة وشاملة أمراً ملحاً، يتطلب تضامناً دولياً يتجاوز الحسابات الضيقة، ويعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية قيمة لا تقبل المساومة.