بلا بيوت ولا مدارس.. أطفال غزة يستقبلون العام الجديد بآلام الحرمان وأمنيات مفقودة

بلا بيوت ولا مدارس.. أطفال غزة يستقبلون العام الجديد بآلام الحرمان وأمنيات مفقودة
أطفال ونساء بين الأنقاض في غزة

مع انقضاء عام ثقيل وحلول عام جديد، يقف آلاف الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة على أعتاب مستقبل غامض، يحملون أمنيات بسيطة لم يعد تحقيقها أمراً بديهياً، فأحلامهم لا تتجاوز حدود الأمان، بيت يؤويهم، ومدرسة يعودون إليها، وطفولة تشبه ما يعيشه أقرانهم في بقية أنحاء العالم، غير أن واقع الحرب المستمرة جعل هذه الأمنيات مؤجلة، وربما بعيدة المنال.

نقلت وكالة أنباء الأناضول في تقرير لها الخميس معاناة أطفال قطاع غزة عبر لقاءات ميدانية وتقارير إنسانية، حيث وثقت تفاصيل الحياة اليومية لأطفال يعيشون في مدارس مدمرة وخيام مهترئة، بعد حرب إبادة شنتها إسرائيل بدعم أمريكي منذ 8 أكتوبر 2023، وما تزال آثارها الكارثية ماثلة حتى اليوم.

على مدار عامين من الحرب، تكبد قطاع غزة خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة، فقد خلفت العمليات العسكرية أكثر من 71 ألف شهيد، وما يزيد على 171 ألف جريح من الفلسطينيين، إضافة إلى دمار طال نحو 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية، وفق تقديرات أممية قدرت تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر الماضي، لم ينعكس ذلك بوصفه تحسناً ملموساً على الواقع الإنساني، في ظل ما وصفه الاتحاد الأوروبي باتفاق ضعيف وتنصل إسرائيلي من الالتزامات.

أمان مفقود وطفولة منتهكة

في مدرسة الفاخورة بمخيم جباليا شمالي قطاع غزة، تحولت الصفوف الدراسية إلى غرف إيواء مؤقتة، وهناك يجلس الطفل نزار الكرد البالغ من العمر 12 عاماً على كرسي مهترئ قرب جدار متصدع، بعدما فقدت عائلته منزلها واضطرت للجوء إلى هذا المكان غير المهيأ للسكن.

يقول نزار إن عام 2025 مر عليهم وهم يبحثون عن مكان آمن للعب أو الدراسة، لكن الخطر كان يحيط بكل شيء، داخل الصف الذي يعيش فيه مع عائلته تتسرب مياه الأمطار، وتنعدم أبسط مقومات الحياة، وفي مقدمتها الصرف الصحي، ويضيف أن إصابته بكسر في يده جاءت أثناء محاولته الوصول إلى تكية طعام عبر ممر أقيم فوق الركام.

يحلم نزار في عام 2026 بحياة عادية.. أن يذهب صباحاً إلى مدرسته، ويصلي في المسجد، ويلعب مع أصدقائه في الحي، تفاصيل بسيطة تحولت اليوم إلى رفاهية نادرة، ويراقب الأطفال من حوله وهم يلعبون بالكرات الزجاجية أو يقفزون بالحبال في ساحات مدارس مدمرة، محاولاً التمسك بما تبقى من طفولته.

تسببت الحرب في نزوح نحو مليون ونصف المليون فلسطيني، يشكل الأطفال النسبة الكبىر منهم، هؤلاء اضطروا للعيش في خيام أو مدارس ومراكز إيواء متضررة، تفتقر للأمان والخصوصية والخدمات الأساسية، ما انعكس بشكل مباشر على صحتهم الجسدية والنفسية.

شعور الحرمان وفقدان المعيل

في باحة إحدى المدارس، يجلس الطفل محمود شاهين البالغ من العمر 15 عاماً أمام خيمته، مرتدياً معطفاً خفيفاً لا يقيه برد الشتاء، فقد محمود والده في قصف إسرائيلي، في حين تتلقى والدته العلاج خارج القطاع، ولم يتبق له سوى شقيق واحد.

بصوت خافت، يقول محمود إن الحرب حرمته من كل شيء، من التعليم، ومن الأمان، ومن البيت. اضطر هذا الطفل إلى العمل على بسطة صغيرة لبيع مواد غذائية داخل خيمته، محاولاً تأمين لقمة العيش له ولشقيقه، ويتمنى أن يكون العام المقبل عاماً للتعليم والإعمار، وأن تعود المدارس إلى دورها الحقيقي، لا أن تبقى ملجأً مؤقتاً للنازحين.

في 13 أغسطس الماضي أعلن المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا فيليب لازاريني أن نحو مليون طفل في قطاع غزة محرومون من التعليم، ويعانون من صدمات نفسية عميقة نتيجة الحرب المستمرة، في تحذير يعكس حجم الكارثة التعليمية التي تضرب جيلاً كاملاً.

عام الجوع والمجاعة

أما الطفلة دلع عفانة البالغة من العمر 14 عاماً، طالبة الصف التاسع، فتروي مأساة مختلفة، فعائلتها نجت من تحت الأنقاض، لكن أكثر من 50 طفلاً من حارتها قتلوا، بينهم إخوتها، وتقول إن الخيام التي يعيشون فيها لم تصمد أمام المنخفضات الجوية، ومع كل هطول للأمطار تغمر المياه أرضيتها.

تضيف دلع أن أصعب ما عاشوه كان الجوع، حين كان شقيقها الصغير يجلس على الأرض بلا طعام، وأمنياتها لا تتجاوز الأمان والتعليم وحياة طبيعية دون خوف، وفي 22 أغسطس الماضي، أعلنت المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي تفشي المجاعة رسمياً في مدينة غزة، مع توقع امتدادها إلى مناطق أخرى.

استمرار الانتهاكات

منذ الساعات الأولى للحرب، استخدمت إسرائيل سياسة التجويع سلاحاً ضد الفلسطينيين، عبر إغلاق المعابر منذ عام 2023، وتقليص إدخال المساعدات الإنسانية، واستهداف مخازن الغذاء والأراضي الزراعية وشاحنات الإغاثة، ما فاقم معاناة المدنيين، خصوصاً الأطفال.

الطفلة فاطمة الزهراء مسعود البالغة من العمر 11 عاماً تختصر العام المنقضي بقولها إنه كان عام الموت والجوع والقصف، تحلم بعام لا تشاهد فيه الطائرات ولا تسمع أصوات الانفجارات، وأن تعود إلى بيتها ومدرستها وتلعب مع أصدقائها الذين فقدت الكثير منهم تحت الركام.

تقول فاطمة إنهم يعيشون داخل صفوف محترقة ومُظلمة لا تصلح للحياة، وإنهم يريدون بيوتاً ومدارس وطفولة طبيعية مثل باقي أطفال العالم.

خرق الاتفاق واستمرار الخطر

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار، تشير معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة إلى أن إسرائيل خرقت الاتفاق 969 مرة حتى الأحد الماضي، ما أسفر عن استشهاد 418 فلسطينياً، وإصابة 1141 آخرين، واعتقال 45 شخصاً، كما تواصل إسرائيل انتهاك البروتوكول الإنساني للاتفاق عبر إغلاق المعابر ومنع إدخال المساعدات ومواد الإيواء والبيوت المتنقلة بالكميات المتفق عليها.

يشكل الأطفال في قطاع غزة نحو نصف عدد السكان، وهم الأكثر تضرراً من الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023، فإلى جانب الخسائر البشرية المباشرة، يعاني الأطفال من آثار نفسية واجتماعية عميقة، تشمل فقدان الأهل، والنزوح المتكرر، والحرمان من التعليم والرعاية الصحية والغذاء، وتؤكد تقارير أممية أن جيلاً كاملاً في غزة مهدد بفقدان مستقبله إذا استمر هذا الواقع، في ظل بطء إعادة الإعمار، واستمرار القيود على المساعدات، وتكرار خرق اتفاقات التهدئة، وبين ركام البيوت والخيام المؤقتة، يبقى أمل أطفال غزة معلقاً بعام جديد قد يعيد لهم شيئاً من الطفولة المسلوبة، ويمنحهم فرصة للحياة بكرامة وأمان.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية