بين القمع والفقر والعنف.. تقرير دولي يكشف عمق معاناة نساء أفغانستان تحت حكم طالبان

بين القمع والفقر والعنف.. تقرير دولي يكشف عمق معاناة نساء أفغانستان تحت حكم طالبان
امرأة أفغانية وعناصر من حركة طالبان

تعيش النساء في أفغانستان واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ البلاد الحديث، حيث تتقاطع القيود السياسية مع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي لتصنع واقعاً خانقاً يضع النساء والفتيات في دائرة الخطر الدائم، فبعد سنوات من النزاع وعدم الاستقرار، جاءت السياسات المفروضة عقب سيطرة حركة طالبان على الحكم لتقضي على ما تبقى من مكاسب هشة تحققت للنساء، وتعيدهن إلى هامش الحياة العامة، محرومات من التعليم والعمل والأمان.

كشف تقرير صادر عن معهد جورج تاون للنساء والسلام والأمن في الولايات المتحدة، ونقلته شبكة "أفغانستان إنترناشيونال" الخميس، أن أفغانستان تحتل المرتبة الأخيرة بين 188 دولة حول العالم من حيث أوضاع النساء، في مؤشر يعكس تدهوراً غير مسبوق في مستويات الأمن والحقوق والفرص المتاحة للنساء والفتيات.

أفغانستان في ذيل الترتيب العالمي

وضع التقرير أفغانستان في المرتبة الأخيرة عالمياً، تليها دول تعاني بدورها من نزاعات وأزمات عميقة مثل اليمن وجمهورية إفريقيا الوسطى وسوريا والسودان وهايتي وبروندي، هذا الترتيب يعكس حجم التحديات المركبة التي تواجه النساء الأفغانيات، حيث يجتمع العنف والفقر والقيود القانونية في واقع واحد يفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية.

في المقابل تصدرت الدول الإسكندنافية مثل الدنمارك وآيسلندا والنرويج والسويد وفنلندا قائمة الدول الفضلى من حيث أوضاع النساء، في مفارقة حادة تبرز الفجوة الهائلة بين أفغانستان وبقية العالم فيما يتعلق بحقوق المرأة والأمن الإنساني.

وأشار التقرير إلى أن أوضاع النساء تختلف بشكل كبير داخل الدول ذات الغالبية المسلمة، حيث أظهرت البيانات أن النساء في بعض الدول العربية يتمتعن بوضع أفضل مقارنة بنساء في دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا، وهذه المقارنة تسلط الضوء على أن ما تعانيه النساء في أفغانستان لا يرتبط بالثقافة أو الدين بقدر ما يرتبط بالسياسات والأنظمة الحاكمة.

وصف التقرير أفغانستان بأنها واحدة من أكثر الدول هشاشة في جنوب آسيا، وهي المنطقة التي تسجل أصلاً أسوأ أداء عالمي في حماية حقوق النساء والفتيات، وأكد أن النساء الأفغانيات ما زلن من أكثر الفئات ضعفاً وتأثراً بالأزمات، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

قيود التعليم والعمل

احتلت أفغانستان المرتبة الأخيرة أيضاً في مؤشر التنمية الجندرية التابع للأمم المتحدة، بعد اليمن مباشرة. وأوضح التقرير أن القيود الصارمة المفروضة على حق النساء في التعليم والعمل تشكل أحد أبرز أسباب هذا التراجع، إذ تحرم النساء من الوصول إلى الموارد والخدمات الأساسية، ومنها المساعدات الإنسانية.

ووفق البيانات، فقدت الأسر التي تديرها النساء نحو 40 بالمئة من دخلها منذ عام 2023، نتيجة منع النساء من العمل وتضييق فرص كسب الرزق، وهذا التراجع الحاد في الدخل انعكس بشكل مباشر على مستويات المعيشة والأمن الغذائي والصحي لتلك الأسر.

العنف القائم على النوع الاجتماعي

يبرز العنف القائم على النوع الاجتماعي بوصفه أحد أخطر التهديدات التي تواجه النساء في أفغانستان، فقد أفاد أكثر من 50 بالمئة من النساء بين 15 و49 عاماً بأنهن تعرضن مرة واحدة على الأقل في حياتهن لهذا النوع من العنف، في حين تصل هذه النسبة في بعض المناطق إلى 92 بالمئة، في أرقام صادمة تعكس عمق الأزمة.

ويرتبط هذا العنف بعوامل متعددة، منها ضعف القوانين الرادعة، وغياب آليات الحماية، وتراجع دور المؤسسات القضائية، إضافة إلى القيود الاجتماعية والسياسية التي تمنع النساء من الإبلاغ أو طلب المساعدة.

ورغم تفاقم الانتهاكات، لا تحظى النساء الأفغانيات بوصول كافٍ إلى العدالة، وأظهرت بيانات التقرير أن نسبة الوصول إلى العدالة تراجعت بنحو 17.5 بالمئة منذ سيطرة طالبان على الحكم، مقارنة بعام 2017، وهذا التراجع يعكس إضعافاً ممنهجاً للمنظومة القانونية، واستبعاداً متزايداً للنساء من أي مسار إنصاف أو مساءلة.

الخوف في الفضاء العام

لم تعد الشوارع في أفغانستان أماكن آمنة للنساء، ووفق التقرير، تحتل أفغانستان المرتبة الثالثة عالمياً بعد سوريا وجنوب إفريقيا من حيث شعور النساء بعدم الأمان في الأماكن العامة، وويعد سلوك طالبان أحد العوامل الرئيسة في هذا الواقع، حيث تفرض الحركة سيطرتها الصارمة على مظهر النساء وتنقلهن وسلوكهن في الفضاء العام، وتلجأ إلى العنف والعقوبات لفرض قوانينها.

أكد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة أن حركة طالبان أصدرت منذ استيلائها على السلطة في أفغانستان ما لا يقل عن 470 حكماً وقراراً، استهدف 79 منها النساء والفتيات بشكل مباشر، وتشير هذه الأرقام إلى تصاعد القيود خلال العام الحالي، واتساع نطاق السياسات التي تقيد حياة النساء في مختلف جوانبها.

تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة

حذر التقرير من أن سياسات طالبان ضد النساء أدت إلى تغييرات جذرية في البنية الاقتصادية والاجتماعية لأفغانستان، فحظر التعليم والعمل لم يقتصر تأثيره على النساء وحدهن، بل انعكس على الاقتصاد الوطني كله، عبر تقليص القوى العاملة، وزيادة معدلات الفقر، وتراجع القدرة الإنتاجية للأسر.

كما أدى الحد من مشاركة النساء في الحياة العامة إلى إضعاف النسيج الاجتماعي، وزيادة الضغوط النفسية والاجتماعية، وارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، في ظل غياب شبكات الدعم والحماية.

منذ سيطرة طالبان على الحكم في أفغانستان في أغسطس 2021، شهدت البلاد تراجعاً متسارعاً في أوضاع حقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بحقوق النساء والفتيات، فخلال فترة قصيرة، فُرضت قيود واسعة على التعليم والعمل والتنقل، وأُقصيت النساء من معظم مجالات الحياة العامة، وأثارت هذه السياسات إدانات دولية واسعة، رافقتها محاولات أممية وإنسانية للحد من آثارها، لكنها اصطدمت بواقع سياسي مغلق، ويأتي تقرير معهد جورج تاون للنساء والسلام والأمن ليقدم صورة شاملة عن نتائج هذه السياسات، موثقاً بالأرقام والمؤشرات كيف تحولت أفغانستان إلى أسوأ مكان في العالم لكون المرأة امرأة، في ظل غياب أفق واضح للتغيير أو التحسن القريب.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية