لمواجهة سمنة الأطفال.. حظر إعلانات السكر والدهون يدخل حيز التنفيذ في بريطانيا

لمواجهة سمنة الأطفال.. حظر إعلانات السكر والدهون يدخل حيز التنفيذ في بريطانيا
مشكلة الوجبات السريعة والسمنة لدى الأطفال

دخلت بريطانيا اليوم الاثنين مرحلة جديدة في سياساتها الصحية مع بدء تطبيق حظر واسع على إعلانات الأطعمة والمشروبات عالية الدهون والملح والسكر، في خطوة وُصفت بأنها من أكثر التدخلات الحكومية صرامة في مواجهة تفاقم سمنة الأطفال، ويعكس القرار الذي يستهدف الإعلانات التلفزيونية قبل الساعة 21:00 ويشمل جميع أشكال الإعلانات على الإنترنت، يعكس تحولا واضحا في تعامل الحكومة مع تأثير التسويق الغذائي على أنماط حياة الأجيال الصغيرة.

ووفقا لما أوردته شبكة "بي بي سي" في تقريرها الصادر اليوم، فإن الحظر يشمل المنتجات الأكثر مساهمة في التسبب بالسمنة لدى الأطفال، وعلى رأسها المشروبات الغازية، والشوكولاتة، والحلويات، والبيتزا، والآيس كريم، إلى جانب بعض أنواع حبوب الإفطار، والخبز المحلى، ووجبات رئيسية وشطائر محددة، ويتم تحديد هذه المنتجات عبر أداة تقييم غذائية تأخذ في الاعتبار نسب الدهون المشبعة والملح والسكر، بهدف استهداف ما يسبب الضرر الأكبر دون تعميم مطلق.

حماية الطفولة من ضغط الإعلان

ترى الحكومة البريطانية أن الأطفال يتعرضون يوميا لسيل من الرسائل الإعلانية التي تروّج لأطعمة غير صحية بطريقة جذابة، ما يسهم في تشكيل عادات غذائية خاطئة منذ سن مبكرة، ويهدف الحظر إلى تقليص هذا التأثير، خاصة في الساعات التي يكون فيها الأطفال أكثر مشاهدة للتلفزيون أو استخداما للإنترنت، وبالتالي تقليل احتمالات انجذابهم لتلك المنتجات.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن هذا الإجراء يمكن أن يمنع نحو 20 ألف حالة سمنة لدى الأطفال سنويا، وهو رقم تعول عليه السلطات الصحية لتخفيف العبء المتزايد على النظام الصحي، وتحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

مرونة للشركات وتشجيع للبدائل الصحية

الحظر لا يعني إغلاق الباب بالكامل أمام الشركات الغذائية، إذ يسمح القرار بالترويج للعلامة التجارية نفسها دون عرض المنتج غير الصحي، كما يتيح للشركات الإعلان عن الإصدارات الصحية من منتجاتها، وترى الحكومة البريطانية أن هذا التوازن يشجع القطاع الصناعي على إعادة صياغة وصفاته الغذائية، وتقديم خيارات أقل ضررا دون خسارة حضوره التسويقي.

وفي هذا السياق، أكدت رابطة الأغذية والمشروبات البريطانية التزامها بدعم التوجه نحو أنماط غذائية أكثر صحة، وأوضحت أن العديد من الشركات كانت تطبق هذا الحظر بشكل طوعي منذ أكتوبر الماضي، ما يعكس استعدادا مسبقا للتكيف مع القواعد الجديدة.

أرقام مقلقة ودوافع صحية

تستند هذه الخطوة إلى واقع صحي مقلق، فبيانات هيئة الصحة الوطنية تظهر أن 9.2 في المئة من الأطفال في سن الحضانة يعانون من السمنة، بينما يصاب طفل واحد من كل 5 بتسوس الأسنان بحلول عمر 5 سنوات، ولا يقتصر تأثير السمنة على الطفولة فحسب، بل يمتد إلى مراحل لاحقة من الحياة، مع زيادة مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل السكري وأمراض القلب.

وتقدر تكلفة السمنة على هيئة الصحة الوطنية بأكثر من 11 مليار جنيه إسترليني سنويا، وهو عبء اقتصادي ضخم يدفع الحكومة للبحث عن حلول وقائية بدل الاكتفاء بالعلاج.

خبراء يرحبون ويطالبون بالمزيد

القرار قوبل بترحيب من خبراء الصحة العامة، فقد وصفت البروفيسورة كاثرين براون، خبيرة تغيير السلوك الصحي في جامعة هيرتفوردشاير، الحظر بأنه خطوة طال انتظارها، مؤكدة أن الأطفال أكثر عرضة للتأثر بالإعلانات العدوانية للأطعمة غير الصحية، ما يزيد من احتمالات السمنة ومضاعفاتها.

وأضافت أن الحد من الإعلانات وحده لا يكفي، داعية الحكومة البريطانية إلى العمل بالتوازي على جعل الخيارات الغذائية الصحية أكثر توفرًا وجاذبية وبأسعار مناسبة، حتى لا تتحول الإجراءات التنظيمية إلى عبء على الأسر ذات الدخل المحدود.

تحولات داخل صناعة الغذاء

من جانبها، تشير رابطة الأغذية والمشروبات إلى أن الصناعة قطعت شوطا في تحسين محتوى منتجاتها. فبحسب بياناتها، تحتوي منتجات أعضائها اليوم على ثلث كمية الملح والسكر وربع السعرات الحرارية مقارنة بما كانت عليه قبل 10 سنوات. وترى الرابطة أن التعاون مع الحكومة يمكن أن يسرع هذا التحول ويجعله أكثر استدامة.

ويؤكد ممثلو القطاع أن الابتكار الغذائي بات خيارا لا مفر منه، في ظل وعي متزايد لدى المستهلكين وضغوط تنظيمية متصاعدة، ما قد يغير ملامح سوق الأغذية خلال السنوات المقبلة.

جدل حول الحرية والرقابة

ورغم الدعم الواسع، لا يخلو القرار من الجدل، إذ يرى بعض المنتقدين أن الحظر يفتح الباب أمام مزيد من التدخل الحكومي في خيارات الأفراد، بينما ترد الحكومة بأن حماية صحة الأطفال تبرر هذه الإجراءات، خاصة في ظل اختلال ميزان القوة بين شركات الإعلان العملاقة والأسر.

وتؤكد السلطات أن الهدف ليس فرض وصاية غذائية، بل خلق بيئة أكثر توازنا تسمح للأطفال بالنمو بعيدا عن التأثير التجاري المفرط.

تأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية أوسع تتبعها بريطانيا منذ سنوات لمكافحة السمنة، التي تعد من أكبر التحديات الصحية في البلاد، فبعد فرض ضرائب على المشروبات السكرية وتشديد معايير الوجبات المدرسية، يمثل حظر الإعلانات مرحلة جديدة تركز على الوقاية المبكرة، وتظهر الدراسات أن التعرض المكثف لإعلانات الأطعمة غير الصحية يسهم بشكل مباشر في زيادة استهلاكها لدى الأطفال، ما يجعل التنظيم الإعلاني أداة فعالة لتغيير السلوك الغذائي، وفي ظل تصاعد معدلات السمنة عالميا، تراقب دول أخرى هذه التجربة البريطانية عن كثب، باعتبارها نموذجا قد يُحتذى به في إعادة التوازن بين حرية السوق وحق الأطفال في بيئة صحية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية