"الغارديان" تحذّر: التكيّف مع المناخ لم يعد خياراً بل اختباراً أخلاقياً
"الغارديان" تحذّر: التكيّف مع المناخ لم يعد خياراً بل اختباراً أخلاقياً
في ظل تسارع الكوارث الطبيعية واتساع رقعة الظواهر الجوية المتطرفة حول العالم، تتزايد التحذيرات من أن أزمة المناخ لم تعد مسألة مستقبلية أو سيناريو نظريا، بل واقعا يوميا يفرض نفسه على المجتمعات والدول، ومع كل فيضان أو إعصار أو موجة حر غير مسبوقة، تتكشف هشاشة الأنظمة السياسية والاقتصادية أمام تحدٍ يتطلب وضوحا وشجاعة في المواجهة قبل فوات الأوان.
في هذا السياق، شدد مقال افتتاحي بصحيفة "الغارديان" البريطانية نشر الثلاثاء على أن التكيّف مع أزمة المناخ يجب أن يبدأ من الشفافية السياسية، مؤكدا أن تجاهل حجم المخاطر أو التقليل من آثارها لا يؤدي إلا إلى تعميق الخسائر البشرية والبيئية، في وقت بات فيه العالم يقترب بشكل مقلق من نقاط تحول يصعب الرجوع عنها.
الأرض باقية والبشر في خطر
يركز المقال على حقيقة صادمة مفادها أن الكوكب سيواصل وجوده على المدى الطويل، لكنه قد يفعل ذلك في غياب البشر أو مع تراجع حاد في أعدادهم، إلى جانب خسارة أعداد هائلة من الكائنات البرية والبحرية، فالأرض قادرة على التكيّف مع التحولات المناخية العنيفة، أما الإنسان فمصيره مرهون بسرعة استجابته وحجم التغييرات التي يفرضها على أنماط حياته واقتصاده وسياساته.
ومع اقتراب العالم من ما يوصف بنقطة اللاعودة المناخية، يتحول المناخ من تحد يمكن إدارته إلى بيئة عدائية تهدد أساسيات الحياة، وفي هذا الواقع الجديد، يصبح البقاء صعبا على الملايين، خصوصا في المناطق الأكثر هشاشة، بينما يبقى السؤال الجوهري مطروحا حول قدرة البشر على التكيّف بنفس مرونة الكوكب.
أزمة أخلاقية قبل أن تكون تقنية
يرى المقال أن أزمة تغير المناخ لا يمكن اختزالها في أرقام الانبعاثات أو تكاليف التحول الطاقي، لأنها في جوهرها مسألة أخلاقية تتعلق بالقيم الإنسانية والمسؤولية المشتركة، ويشير إلى أن العالم ينقسم اليوم إلى ثلاث فئات رئيسية؛ الأولى تضم الفئات الأشد تضررا من التغير المناخي، ممن يفقدون منازلهم ومصادر رزقهم بسبب الأعاصير والفيضانات وموجات الحر القاتلة، والثانية تشمل قوى اقتصادية وسياسية يحركها الجشع، ولا ترى في الأزمة سوى تهديد لمصالحها، فتلجأ إلى الإنكار أو التسويف، أما الفئة الثالثة فتتمثل في أولئك الذين يعلنون قلقهم، لكنهم يختبئون خلف أعذار متعددة لتجنب اتخاذ قرارات حاسمة.
هذا الانقسام الأخلاقي يتجلى بوضوح في العلاقة بين الدول الغنية والفقيرة، فالدول الأقل مساهمة في التلوث والانبعاثات تجد نفسها تدفع الثمن الأكبر، بينما تنشغل الدول الصناعية الكبرى بحسابات الكلفة السياسية والاقتصادية، في وقت تستمر فيه الخسائر البشرية وتدمير المجتمعات المحلية.
العدالة المناخية الغائبة
يشدد المقال على أن مطالبة الدول الفقيرة بتحمل تبعات أزمة لم تكن سببا رئيسيا فيها يمثل ظلما صارخا، فتمويل التكيّف مع التغير المناخي ليس عملا خيريا، بل التزاماً أخلاقياً وسياسياً، وخفض الانبعاثات لم يعد خيارا مطروحا للنقاش، بل ضرورة عاجلة لضمان بقاء الحياة البشرية.
ويرى أن الصدق والشجاعة والرحمة باتت أدوات أساسية للبقاء في هذا العصر، وأن أي تقصير فيها يمثل خيانة للأجيال المقبلة التي سترث كوكبا مثقلا بالأزمات.
تناقضات السياسات المناخية
يسلط المقال الضوء على تناقضات واضحة في سياسات بعض الدول، مستشهدا برأي الباحث البريطاني في شؤون المناخ كيث نيكولز، الذي يشير إلى أن كثيرا من القادة يبحثون عن سبل تقليل المخاطر المناخية، لكنهم في الوقت ذاته يواصلون الاستثمار في بنى تحتية معرضة للخطر.
ويبرز مثال المملكة المتحدة، حيث أُنشئت أحدث محطتين نوويتين في مناطق شهدت فيضانات تاريخية أو تقع في نطاقات ساحلية مهددة بارتفاع مستوى سطح البحر، ففي هنكلي سي، أقيمت محطة نووية في منطقة شهدت أكبر فيضان مسجل في تاريخ البلاد عام 1607، بينما تتطلب محطة سايزويل سي بناء حواجز بحرية ضخمة للحماية من سيناريوهات فيضانات مشابهة لكارثة فوكوشيما في اليابان عام 2011.
ورغم تأكيد مؤيدي الطاقة النووية أن هذه المشاريع ضرورية لمكافحة التغير المناخي، فإن هذا التوجه يعكس مفارقة عميقة بين السعي لحماية البيئة والاستمرار في تجاهل الواقع المناخي المتغير.
الإنكار المجتمعي ودور الإعلام
من جانبه، يشير الباحث في معهد الموارد والدراسات الأمنية في بريطانيا ديفيد لوري إلى أن شريحة واسعة من المجتمعات لا تزال تعيش في حالة إنكار للتغير المناخي، رغم وضوح آثاره في الحياة اليومية، ويرى أن غياب القيادة السياسية الحازمة، إلى جانب ضعف وعي الناخبين بتأثير أنماط الاستهلاك المفرط، يعرقل أي تحرك جاد نحو التغيير.
ويقترح لوري الاستفادة من تجارب سابقة في التوعية العامة، مثل حملات مكافحة التدخين، عبر استخدام أدوات إعلامية قانونية تضع الحقائق العلمية في صدارة المشهد، ومن بين هذه الأدوات، استبدال الرسائل التجارية في محطات الوقود بمعلومات موثوقة وصور توثق آثار الكوارث المناخية على البشر والبيئة، بهدف كسر حالة اللامبالاة وتحفيز النقاش العام.
دعوة لحملة شاملة
يرى المقال أن مواجهة أزمة المناخ تتطلب حملة إعلامية حكومية شاملة، تقوم على الصراحة والوضوح، وتشرح للمجتمعات المخاطر الحقيقية لمسارها الحالي، فبناء الدعم الشعبي لأي تغييرات جذرية في السياسات الاقتصادية والطاقية لن يتحقق دون وعي واسع بحجم التهديدات القائمة.
ويؤكد أن التغيير لم يعد مسألة رفاهية فكرية، بل شرطا أساسيا لضمان كوكب صالح للعيش، لا للأجيال القادمة فحسب، بل للجيل الحالي الذي بدأ يدفع ثمن التأجيل والإنكار.
يأتي هذا النقاش في وقت تشير فيه تقارير علمية دولية إلى تسارع وتيرة الاحترار العالمي، وازدياد حدة الظواهر الجوية المتطرفة، من فيضانات وحرائق غابات وموجات جفاف وحر قياسية، وتشير بيانات منظمات مناخية إلى أن السنوات الأخيرة كانت من بين الأشد حرارة منذ بدء التسجيلات المناخية، ما يضع ضغوطا متزايدة على الأنظمة البيئية والاقتصادية، وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات إلى تبني سياسات تكيّف فعالة، تقوم على العدالة المناخية، والشفافية السياسية، والمساءلة، باعتبارها ركائز أساسية لمواجهة واحدة من أخطر الأزمات التي عرفتها البشرية في تاريخها الحديث.











