انتهاكات حقوقية تحت المجهر.. هل يُحاسَب نظام طهران دولياً وسط التوتر مع واشنطن؟
انتهاكات حقوقية تحت المجهر.. هل يُحاسَب نظام طهران دولياً وسط التوتر مع واشنطن؟
في إيران لا تأتي أخبار السياسة منفصلة عن وجوه البشر، ولا تُقرأ عناوين التوترات الدولية بمعزل عن الأجساد التي تدفع الثمن في الزنازين والشوارع والمنافي، فخلف لغة البيانات والعقوبات والتهديدات المتبادلة، ثمة حكايات إنسانية تتكرر بصمت وحزن، حيث يخنق الانتظار الأصوات في الحناجر لمجرد أنها طالبت بحياة أقل قسوة وأكثر عدالة.
ومع تصاعد التوترات بين طهران وواشنطن، تعود الانتهاكات الحقوقية في إيران إلى واجهة النقاش الدولي، لا بوصفها ملفاً أخلاقياً فحسب، بل بوصفها سؤالاً سياسياً وقانونياً مفتوحاً، فهل يمكن أن يُحاسب نظام طهران دولياً؟ أم إن حقوق الإنسان ستظل ورقة مؤجلة في لعبة المصالح الكبرى بين البلدين؟
ومنذ سنوات يعيش الإيرانيون في فضاء مشبع بالمراقبة والقلق، خصوصاً على وقع الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت على خلفيات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وقوبلت بحملات قمع واسعة، استخدمت فيها أدوات الدولة الأمنية والقضائية لإعادة فرض الصمت، من خلال اعتقالات جماعية، ومحاكمات تفتقر إلى معايير العدالة، وأحكام قاسية تصل إلى الإعدام جعلت من الخوف جزءاً من الحياة اليومية، لا استثناءً عابراً.
وفي السجون تتحول الأسماء إلى أرقام، والوقت إلى عقوبة إضافية، حيث تتداول شهادات عن التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية، تقابلها رواية رسمية تنكر أو تبرر، في حين يبقى الضحايا عالقين بين جدران لا تصلها الكاميرات ولا البيانات الدبلوماسية.
ضحايا التوازنات الدولية
وفي قلب هذا المشهد تقف النساء الإيرانيات في مقدمة المواجهة، لا لأنهن اخترن الصدام، بل لأن أجسادهن وحرياتهن تحولت إلى ساحة صراع، فالقيود المفروضة على الملبس والسلوك، والعقوبات التي تُفرض باسم النظام العام، جعلت من الحياة اليومية اختباراً صعباً للحرية الشخصية والكرامة.
وحين خرجت النساء إلى الشوارع مطالبات بحقوقهن، لم يكن الرد مجرد إجراءات أمنية، بل رسالة واضحة بأن المطالبة بالحرية تُقابل بالعقاب، حيث تُسجن ناشطات، وتتعرض أخريات للتنكيل، في حين استمرت محاولات طمس القصص الفردية تحت عناوين كبرى عن الاستقرار والسيادة.
ولا تقتصر الانتهاكات في إيران على فئة بعينها، بل تطول الأقليات العرقية والدينية، والصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمعارضين السياسيين، وهي الفئات التي تعيش بعيداً عن قيم المواطنة، إذ تُغلق الصحف، وتُقيد حرية التعبير، ويُلاحق النشطاء بتهم فضفاضة ومطاطية تختفي فيها الحدود الفاصلة بين القانون والسياسة، ما يجبر الكثيرين على اختيار المنفى الطوعي طالما ظلت العدالة بعيدة المنال.
وفي كل جولة توتر بين إيران والولايات المتحدة، تعود ملفات حقوق الإنسان إلى الطاولة، حيث تُستخدم التقارير الحقوقية لتبرير العقوبات، وتُستدعى معاناة الضحايا في الخطاب السياسي، لكن السؤال الجوهري يبقى: هل الهدف هو حماية البشر، أم تعزيز أوراق التفاوض؟ ولا سيما أن التجارب السابقة تؤكد أنه حين تتقدم المفاوضات يتراجع الصوت الحقوقي، وحين تتعثر يعود بقوة إلى الواجهة، دون أن يترجم ذلك بالضرورة إلى آليات مساءلة حقيقية.
ونظريًا لا تغيب الأدوات الدولية، كآليات الأمم المتحدة، والمقررين الخاصين، ولجان التحقيق، والعقوبات الموجهة على المشهد القاتم في إيران، لكن عملياً تصطدم هذه الأدوات بتعقيدات السياسة الدولية، وبموازين القوى داخل مجلس الأمن، وبقدرة الدول على الإفلات من المساءلة تحت مظلة السيادة.
وبالنسبة للضحايا، تبدو العدالة الدولية بعيدة وبطيئة، أقرب إلى وعد مؤجل منها إلى مسار ملموس، ومع ذلك، فإن توثيق الانتهاكات وحفظ الشهادات وإبقاء الضوء مسلطًا على القصص الإنسانية، يظل خطوة أساسية في مواجهة نسيان الانتهاكات والجرائم الحقوقية.
وسط التوتر مع واشنطن تبدو الانتهاكات الحقوقية في إيران تحت مجهر دولي لا يملك دائمًا القدرة على الفعل، لكنه يملك مسؤولية الشهادة، وبينما تتبدل التحالفات وتتغير الأولويات، يظل الإنسان الإيراني بآلامه اليومية هو الثابت الوحيد في معادلة متحركة ومتغيرة.
فقد تتأخر العدالة أو تتعثر، لكنها لا تسقط بالتقادم، فكل شهادة محفوظة وكل اسم موثق تذكير بأن وراء السياسة بشرًا، وأن المحاسبة مهما طال زمنها تظل أملًا يتشبث به من لم يعد لديهم ما يخسرونه.
معوقات المساءلة الدولية
وبشأن تحليل معطيات المشهد الحالي، أكد المحلل السياسي الإيراني وجدان عفراوي، في حديث لـ"جسور بوست"، أن الانتهاكات الحقوقية في بلاده باتت تحت مجهر المتابعة الدولية، غير أنه شكك في فرص محاسبة نظام طهران دولياً في ظل التوتر المتصاعد مع الولايات المتحدة، معتبراً في الوقت ذاته أن "ساعة الصفر" لرحيل النظام قد انطلقت وأن لحظة الحساب تقترب، حتى وإن تأخرت أدوات المساءلة الرسمية أو الدولية.
ورأى عفراوي أن محاسبة النظام الإيراني على جرائمه الحقوقية تصطدم بعقبات كبرى داخل النظام الدولي، وعلى رأسها الانقسام الحاد داخل مجلس الأمن، ووجود مظلة سياسية توفرها كل من روسيا والصين لطهران، موضحاً أنه في ظل هذا التباين، لا يمكن تصور صدور قرار دولي نافذ بحق النظام الإيراني، خاصة وأن قرارات مجلس الأمن، رغم كونها الأداة الأهم للمحاسبة الدولية، تظل رهينة لمصالح الدول الكبرى.
وأضاف أن موسكو وبكين ستلجآن دون تردد إلى استخدام حق النقض (الفيتو) في حال طرح أي مشروع قرار يستهدف محاسبة النظام الإيراني على انتهاكاته بحق حقوق الإنسان، ما يفرغ المسار القانوني الدولي من فعاليته، ويُبقي الضحايا خارج معادلة العدالة.
وفيما يتعلق بالتوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران، اعتبر عفراوي أن توظيف واشنطن لملف حقوق الإنسان يبدو "أمراً طبيعياً" في سياق الخلافات العميقة مع النظام الإيراني، لافتاً إلى أن هذا الملف يُستخدم أداة ضغط ضمن مشروع سياسي أوسع يستهدف بنية النظام ذاته.
وأوضح أن هذا التوجه يتجلى بشكل خاص في ملف المفاوضات الأمريكية - الإيرانية التي رفضت طهران حتى الآن الاستجابة لمطالب واشنطن فيها، سواء المتعلقة بالبرنامج النووي أو بالسلوك الإقليمي وملفات حقوق الإنسان، وهو ما يزيد من حدة التصعيد السياسي ويُبقي احتمالات المواجهة مفتوحة.
ورقة استراتيجية
ويرى عفراوي أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ستسعى إلى استثمار سجل الانتهاكات الحقوقية والجرائم التي ارتكبها ما وصفه بـ"النظام الخميني"، لخدمة المشروع الأمريكي الأكبر، والمتمثل في إضعاف النظام الإيراني، وربما الدفع باتجاه تغييره، مؤكدًا أن حقوق الإنسان في هذا السياق لا تُطرح بوصفها قضية أخلاقية مجردة، بل ورقة استراتيجية في صراع النفوذ.
وأضاف: "لقد اقتربت الساعة فعليًا لهذا النظام، خصوصاً في ظل الجرائم والانتهاكات التي شهدتها إيران مؤخرًا، والتي لم تعد خافية على أحد، ولن يفلت النظام من تبعاتها السياسية والأمنية، حتى وإن تأخرت المحاسبة القانونية الدولية".
وفي قراءة أوسع للمشهد، أشار عفراوي إلى أن استمرار الرفض الإيراني للمطالب الأمريكية، وعدم إبداء أي مرونة حقيقية، يقرب المنطقة من لحظة مفصلية، خاصة مع التحشيد العسكري الكبير الذي تشهده حالياً، معتبراً أن تراكُم الضغوط السياسية والاقتصادية والحقوقية قد يدفع بالأزمة إلى نقطة اللاعودة.
وخلص المحلل السياسي الإيراني إلى أن غياب قرار دولي مباشر لا يعني نهاية المساءلة بل ربما يؤجلها، مؤكدًا أن الأنظمة التي تتكئ طويلًا على الحماية الدولية، غالبًا ما تسقط عندما تتغير موازين القوة، وحينها لا تعود ملفات حقوق الإنسان مجرد تقارير، بل تتحول إلى أدوات إدانة حاسمة في لحظة التحول الكبرى.
فشل الآليات الدولية
بدورها رأت المحللة السياسية المتخصصة في الشأن الإيراني، منى سيلاوي، في حديث لـ"جسور بوست"، أن المجتمع الدولي ومجلس الأمن تحولا إلى أدوات عاجزة عن محاسبة الأنظمة الاستبدادية، معتبرة أن مصائر الشعوب باتت اليوم رهينة لتقاطع المصالح الدولية أكثر من ارتباطها بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان.
وأوضحت سيلاوي أن الأدوات الدولية القائمة، ومنها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أثبتت فشلها المتكرر في محاسبة الدول والأنظمة التي ترتكب جرائم بحق شعوبها، سواء عبر القتل المباشر أو القمع المنهجي أو العزل السياسي والاجتماعي، مؤكدة أن هذه المؤسسات لم تعد قادرة على تجاوز الحسابات السياسية للدول النافذة داخلها.
وأكدت أن الحالة الإيرانية ليست استثناءً في هذا السياق، مشيرة إلى أن إيران ليست الدولة الأولى ولا الأخيرة التي يفشل المجتمع الدولي في مساءلتها، واستشهدت بنماذج مأساوية في المنطقة، حيث وقف العالم عاجزاً أمام الدمار الواسع والانتهاكات الجسيمة، كما حدث في غزة وسوريا وليبيا، دون أن تُترجم الإدانات إلى محاسبة حقيقية أو ردع فعلي.
وفي هذا الإطار لفتت سيلاوي إلى أن التدخلات الدولية لم تكن دائماً جزءاً من الحل، بل كانت في أحيان كثيرة أحد أسباب تعقيد الأزمات، مستشهدة بما جرى في ليبيا، حيث أسهم هجوم حلف "الناتو" وما أعقبه من فراغ أمني وانفلات مسلح في إدخال البلاد في دوامة من الفوضى، كان المجتمع الدولي أحد أبرز مسبباتها، وفق تعبيرها.
عدالة مؤجلة
وحول مبدأ المحاسبة، أعربت المحللة السياسية عن أسفها لغياب أي جهة دولية قادرة أو راغبة في محاسبة الأنظمة الاستبدادية، ولا سيما النظام الإيراني، معتبرة أن العدالة الدولية باتت انتقائية، تُفعل في حالات محددة، وتُعطل في حالات أخرى تبعًا للمصالح السياسية والاقتصادية.
وأوضحت سيلاوي أن مصائر الشعوب وحظوظها في نيل العدالة أصبحت مرتبطة بتقاطع مصالح مجموعة من الدول القادرة على تقديم الدعم أو فرض الضغوط، مؤكدة أن قضايا الثورات لم تعد شأنًا داخليًا صرفًا، بل أصبحت محكومة بعوامل خارجية قد تُسهم في إنجاحها أو إفشالها، أو في محاسبة الديكتاتوريين أو تمكينهم من الإفلات من العقاب.
وفي السياق أشارت إلى النموذج البوسني، حيث ارتُكبت مجازر واسعة بحق المسلمين، ومع ذلك خرج عدد كبير من الجناة دون محاسبة حقيقية، معتبرة أن هذا المثال يجسد فشل العدالة الدولية حين تتعارض مع حسابات القوة والنفوذ.
وأكدت سيلاوي أنه لا توجد حالياً أي آلية دولية فاعلة لمحاسبة النظام الإيراني على انتهاكاته الحقوقية، واصفة هذا الواقع بأنه تعبير عن "تعاسة شعوب العالم"، حيث يتمكن الديكتاتور من الاستحواذ على السلطة والتحكم في حياة الناس ومصائرهم دون رقيب أو مساءلة.
وفي ختام حديثها، أيدت المحللة السياسية إسقاط النظام الإيراني في ظل التوترات الحالية، معتبرة أن أي مسار حقيقي لتحقيق العدالة يبدأ بإنهاء منظومة الاستبداد، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق الشعب الإيراني، مؤكدة أن بقاء الأوضاع على ما هي عليه يعني استمرار المعاناة، وتأجيل العدالة إلى أجل غير معلوم.










