صرخة في وجه العنف.. أمهات السلام يتوجهن إلى أنقرة رفضاً لهجمات حلب

صرخة في وجه العنف.. أمهات السلام يتوجهن إلى أنقرة رفضاً لهجمات حلب
جانب من إحدى فعاليات أمهات السلام- أرشيف

تتواصل الاحتجاجات في مدن شمال كردستان وتركيا لليوم الرابع على التوالي؛ تعبيراً عن الغضب الشعبي إزاء الهجمات التي تشنها مجموعات مسلحة تابعة لهيئة تحرير الشام على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ذوي الغالبية الكردية في مدينة حلب السورية، وسط تصاعد المخاوف من اتساع رقعة العنف واستمرار استهداف المدنيين.

ونقلت وكالة "أنباء المرأة"، اليوم الثلاثاء، عن مصادر ميدانية وناشطين حقوقيين، أن هذه الاحتجاجات جاءت رداً على تصاعد القصف والاشتباكات التي طالت الأحياء السكنية.

وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين ونزوح عائلات بأكملها في ظل ظروف إنسانية قاسية، وهو ما دفع منظمات نسوية ومدنية إلى التحرك العلني داخل تركيا.

تصريحات تشعل الجدل

موجة الغضب الشعبي تفجرت بشكل أكبر عقب تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان التي حمّل فيها قوات سوريا الديمقراطية قسد مسؤولية تصاعد الاشتباكات في حلب، واصفاً إياها بأنها أداة بيد إسرائيل، في وقت وجه فيه رسائل دعم غير مباشرة للمجموعات المسلحة التي تهاجم الأحياء الكردية، مؤكداً أن تركيا قد تتدخل عسكرياً بشكل مباشر إذا اقتضت الضرورة.

هذه التصريحات قوبلت بانتقادات واسعة من قبل قوى مدنية وحقوقية كردية، رأت فيها غطاءً سياسياً للهجمات التي تطول المدنيين، وتحريضاً إضافياً يهدد بتوسيع دائرة العنف بدل احتوائه.

وفي ظل هذا التصعيد، أعلنت عضوات مجلس أمهات السلام انطلاقهن من عدة مدن في تركيا وشمال كردستان باتجاه العاصمة أنقرة، رافعات مطلباً واضحاً بوقف الهجمات ورفع اليد عن الكرد، ومن المقرر أن تنظم الأمهات، اليوم الثلاثاء، وقفة احتجاجية أمام القنصلية السورية، تتخللها كلمة ومسيرة للتنديد بالمجازر والانتهاكات المرتكبة في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية.

وترى المشاركات في هذا التحرك أن صوتهن بات ضرورة أخلاقية وإنسانية، في ظل ما يصفنه بصمت دولي مطبق تجاه ما يتعرض له المدنيون الكرد في حلب.

شهادات من قلب الألم

قدّرية جيليجي، وهي إحدى عضوات أمهات السلام في مدينة وان، عبّرت عن رفضها القاطع للهجمات التي تستهدف الحيين، منتقدة في الوقت نفسه موقف الحكومة التركية الداعم لها، وقالت إن الجهات التي تقف خلف هذه الجرائم هي في جوهرها امتداد لتنظيم داعش، مهما غيرت أسماءها، مؤكدة أن أيديهم ملطخة بدماء النساء والأطفال.

وأضافت أن أطفالاً في عمر 3 سنوات يُتركون في البرد القارس، في حين تُجبر النساء على النزوح القسري، معتبرة أن تصريحات وزير الخارجية التركي وفرت غطاءً سياسياً لهذه الانتهاكات، ومشيرة إلى أنه لو كان هناك ضمير حي لما جرى تبرير هذا العنف أو التغاضي عنه.

وأكدت جيليجي أنها شاركت في مسيرات عدة من أجل ضحايا المجازر في حلب، وستكون حاضرة في الوقفة الاحتجاجية في أنقرة، مشددة على أن تحركهن لا يهدف إلى تحقيق مصالح شخصية، بل إلى وقف نزيف الدم والدفاع عن حق النساء والأطفال في الحياة.

السلام بوصفه خياراً وحيداً

وترى جيليجي أن قضية الكرد هي في جوهرها قضية سلام، مؤكدة أن الكرد لم يسعوا يوماً إلى إشعال الحروب، وأن حملهم للسلاح جاء في سياق الدفاع عن الوجود والهوية، واعتبرت أن الفارق الجوهري يكمن في أخلاقيات القتال، حيث تلتزم القوى الكردية بقواعد الحرب والكرامة الإنسانية، في مقابل ما وصفته بالوحشية التي تمارسها الجماعات المسلحة بحق جثامين النساء الكرديات.

ومن جهتها، قالت غولبياز مهجي، وهي عضوة أخرى في أمهات السلام، إن ما يجري في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية منذ نحو أسبوع يمثل جرائم ضد الإنسانية تُرتكب على مرأى العالم، وأضافت أن حتى الرضع لم يسلموا من القتل في هذا البرد القارس، مؤكدة أن المسيرة نحو أنقرة ستستمر مهما كان الثمن؛ لأن هدفها هو السلام ووقف سفك الدماء.

وانتقدت مهجي صمت المجتمع الدولي الذي يرفع شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان، معتبرة أن هذا الصمت يعكس ازدواجية المعايير وتغليب المصالح الاقتصادية على القيم الإنسانية، في وقت تُرتكب فيه عشرات المجازر داخل أحياء محاصرة في مدينة حلب.

رسالة إلى الدولة التركية

ووجهت مهجي رسالة مباشرة إلى الدولة التركية، دعتها فيها إلى ترجمة حديثها عن مد يد السلام إلى خطوات عملية حقيقية، مشيرة إلى أن مسار السلام الذي قاده عبد الله أوجلان أثبت أن الحل السلمي كفيل بوقف نزيف الدم، ودعت أمهات المقاتلين والمقاتلات وكذلك عائلات عناصر الشرطة إلى التوجه نحو وزارة العدل في أنقرة للمطالبة بالسلام باعتباره الطريق الوحيد لإنهاء المآسي.

وأضافت أن تحرك أمهات السلام يتم باسم جميع الكرد، وباسم كل من يدفع ثمن الحرب من الأبرياء، مؤكدة أن السلام ليس مطلباً فئوياً، بل حاجة إنسانية عامة.

رسائل إلى شعوب العالم

بدورها وجهت باران باكي من أمهات السلام في جفر رسالة إلى شعوب العالم، تساءلت فيها عن صمت من يصفون أنفسهم بالمسلمين إزاء المجازر المرتكبة، مطالبة بتحرك عاجل لحماية سكان حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، ومؤكدة أن هؤلاء المدنيين لم يعتدوا على أحد ولم يطمعوا بأراضي غيرهم.

وأشارت إلى أن عناصر الأسايش يتعرضون للقتل والتمثيل بجثامينهم على يد جماعات ترفع شعارات دينية، مؤكدة أن هذه الممارسات لا تمت إلى الدين أو الإنسانية بصلة، ومشددة على أن رحلة أمهات السلام الشاقة هي من أجل السلام في كل مكان، لا في جزء دون آخر.

يشكل حيّا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب معقلاً رئيسياً للسكان الكرد، وقد شهدا خلال سنوات النزاع السوري فترات متكررة من الحصار والقصف، ومع التغيرات الميدانية الأخيرة وتصاعد نفوذ جماعات مسلحة في محيط المدينة، عادت هذه الأحياء إلى واجهة الاستهداف، ما فاقم الأوضاع الإنسانية فيها. في المقابل، تعيش تركيا منذ سنوات نقاشاً داخلياً معقداً حول المسألة الكردية ومسار السلام المتعثر، وسط تداخل الملفين السوري والتركي، ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار التصعيد العسكري والخطاب التحريضي إلى تقويض أي فرص حقيقية للحل السلمي، وفتح الباب أمام جولة جديدة من العنف يدفع ثمنها المدنيون في المقام الأول.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية