تحت وطأة القصف.. تصاعد العنف يفاقم الأزمة الإنسانية بين المدنيين في حلب

تحت وطأة القصف.. تصاعد العنف يفاقم الأزمة الإنسانية بين المدنيين في حلب
نزوح السكان من حلب بسبب الاشتباكات المسلحة

تعيش أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب واحدة من أكثر موجات العنف قسوة منذ أشهر، مع دخول القصف المدفعي يومه الثالث على التوالي، وسط تصعيد خطير يستهدف مناطق سكنية مكتظة بالمدنيين، ولم تعد أصوات الانفجارات تفارق المكان، والخوف بات العنوان اليومي لعائلات تجد نفسها محاصرة بين النيران، بلا قدرة على الفرار أو الاحتماء الآمن، في مشهد يعكس عمق المأساة الإنسانية التي تتفاقم ساعة بعد أخرى.

ووفق ما أوردته وكالة أنباء المرأة في تقرير نشر، اليوم الخميس، فإن القصف الذي تنفذه هيئة تحرير الشام أسفر حتى الآن عن سقوط 73 ضحية بين قتيل ومصاب، معظمهم من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الهجمات استهدفت بشكل مباشر الأحياء السكنية، متسببة في دمار واسع للبنية التحتية، وشلل شبه كامل في الحياة اليومية داخل مدينة حلب.

ومع استمرار الضربات، أصدرت قوى الأمن الداخلي في حلب بياناً حذرت فيه من خطورة ما وصفته بالتهديد العلني والمتكرر بقصف أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، مؤكدة أن هذه التهديدات لا يمكن تصنيفها ضمن أي عمل عسكري مشروع، بل تمثل ترهيباً مباشراً للسكان المدنيين، ودفعاً قسرياً نحو التهجير تحت وطأة السلاح، واعتبر أن هذا السلوك يرقى وفق القانون الدولي الإنساني إلى جريمة حرب، لما يتضمنه من استهداف متعمد للمدنيين وتدمير للممتلكات العامة والخاصة.

وأشار البيان إلى أن الإعلان المسبق عن القصف يشكل دليلاً قانونياً على القصد الجرمي، ويحمّل الجهة المنفذة ومن يقف خلفها المسؤولية الجنائية الكاملة عن أي أذى يلحق بالمدنيين أو بالبنية التحتية المدنية، كما شدد على أن التهديد بالقصف ليس مجرد خطاب إعلامي، بل إنذار صريح بوقوع جرائم، داعياً المؤسسات الدولية والحقوقية إلى توثيق هذه الوقائع ومحاسبة المسؤولين عنها.

الأحياء الكردية تحت النار

في موازاة ذلك، أصدر المجلس العام لأحياء الأشرفية والشيخ مقصود بياناً أدان فيه ما وصفه بالقصف الممنهج والعشوائي الذي تتعرض له الأحياء الكردية في مدينة حلب، وأكد المجلس أن الهجمات تتم باستخدام أسلحة ثقيلة ودبابات وعمليات قنص، ما يزيد من حجم الخطر المحدق بالمدنيين الذين يعيشون في هذه المناطق منذ سنوات طويلة.

ودعا المجلس الأهالي إلى التزام منازلهم قدر الإمكان، محذراً من الانجرار خلف ما وصفه بالإعلام المضلل، ومؤكداً أن الهيئات الإدارية المحلية مستمرة في أداء مهامها رغم الظروف الأمنية القاسية، كما أشار إلى توثيق حوادث قنص استهدفت مدنيين بشكل مباشر، منها مقتل رجل يبلغ من العمر 50 عاماً بعد إصابته برصاصة في الرأس في حي الأشرفية، ما عمق حالة الغضب والخوف بين السكان.

الحصيلة الإنسانية للقصف تتصاعد بشكل مقلق، فقد أعلنت مصادر محلية أن عدد القتلى بلغ 9 أشخاص، بينهم امرأتان وطفلة، في حين وصل عدد الجرحى إلى 64 مدنياً، بينهم 15 امرأة وفتاة، ويواجه المصابون صعوبات كبيرة في الوصول إلى المرافق الطبية نتيجة القصف المستمر وخطورة التنقل.

وبين المصابين الذين سقطوا يوم الخميس شاب يبلغ من العمر 18 عاماً ورجل مسن يبلغ 70 عاماً وطفلة عمرها 12 عاماً، جرى نقلهم إلى المشفى لتلقي العلاج، غير أن الطواقم الطبية تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، مع نقص في الإمدادات الطبية وازدياد أعداد الجرحى، ما ينذر بتدهور أكبر في الوضع الصحي.

أزمة إنسانية متفاقمة

لم يقتصر تأثير التصعيد على الخسائر البشرية، بل امتد ليشمل حركة نزوح واسعة النطاق، فقد قدرت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة حلب أعداد النازحين بنحو 60000 شخص، مع استمرار تدفق العائلات الهاربة من أحياء الأشرفية والشيخ مقصود منذ اندلاع الاشتباكات.

وبحسب آخر تحديث صدر يوم الخميس، بلغ عدد العائلات النازحة 11806 عائلات تضم 59030 شخصاً، واستقبلت مدينة عفرين العدد الأكبر من هؤلاء النازحين الذي بلغ نحو 9700 عائلة، في حين لجأ أكثر من 1050 أسرة إلى أحياء أخرى داخل مدينة حلب، كما توزعت بقية العائلات على مناطق اعزاز والأتارب والزربة ودارة عزة ومراكز إيواء مؤقتة، تعاني بدورها من محدودية الإمكانات وضغط الأعداد.

في خضم هذه التطورات أعلنت محافظة حلب تلقيها مناشدات من عائلات محاصرة داخل الأحياء المتضررة، مشيرة إلى العمل على إعادة فتح ممرين إنسانيين لتأمين خروج المدنيين نحو مناطق أكثر أماناً بالتنسيق مع الجيش، وأوضحت أن الهدف من هذه الخطوة هو حماية السكان الراغبين في مغادرة مناطق القتال، وتخفيف حدة المعاناة الإنسانية.

وفي المقابل تبادلت الأطراف المعنية في سوريا الاتهامات بشأن مسؤولية عرقلة خروج المدنيين، ما زاد من تعقيد المشهد وألقى بظلاله على مصداقية الجهود الإنسانية المعلنة، ومع إعلان حظر تجوال في الأحياء المتضررة، يخشى السكان من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى ارتفاع أكبر في أعداد الضحايا.

تشهد مدينة حلب منذ سنوات صراعات متعددة الأطراف، جعلت من أحيائها ساحة مفتوحة للمواجهات المسلحة، وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية والنسيج الاجتماعي، وتعد أحياء الشيخ مقصود والأشرفية من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، وتضم شريحة واسعة من المدنيين الذين عانوا سابقاً من الحصار ونقص الخدمات الأساسية.

ومع تجدد القصف في يناير 2026، تتفاقم الأزمة الإنسانية مجدداً، في ظل غياب حلول سياسية شاملة، وضعف الاستجابة الدولية، واستمرار استهداف المدنيين، ما يضع مئات الآلاف من السكان أمام مستقبل مجهول، ويجعل من حماية المدنيين أولوية ملحة لا تحتمل مزيداً من التأجيل.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية