حين تتحول الوثيقة إلى أزمة حقوقية.. المنع الأمني يطارد فلسطينيي غزة في المنافي

حين تتحول الوثيقة إلى أزمة حقوقية.. المنع الأمني يطارد فلسطينيي غزة في المنافي
أزمة عدم تجديد جواز السفر الفلسطيني

يجد مئات الفلسطينيين من أبناء قطاع غزة المقيمين في الخارج أنفسهم اليوم أمام معضلة قانونية وإنسانية خانقة، بعدما تحولت وثيقة السفر الفلسطينية من حق أساسي إلى أزمة تهدد الاستقرار الشخصي والعائلي، وتضع مستقبلهم الدراسي والمهني والصحي في مهب المجهول، وهي معاناة تتكرر شكاواها في عواصم مختلفة، وتتمحور حول رفض أو تعطيل إصدار وتجديد جوازات السفر الفلسطينية بذريعة ما يسمى المنع الأمني، دون قرارات مكتوبة أو تفسيرات واضحة، ودون مسارات تظلم فعالة.

وذكر مركز غزة لحقوق الإنسان في بيان صدر الثلاثاء أن المركز تلقى خلال الفترة الأخيرة شكاوى متزايدة من فلسطينيين من غزة يقيمون في دول عربية وأجنبية، تفيد برفض السفارات والبعثات الدبلوماسية الفلسطينية إصدار أو تجديد جوازات سفرهم، وأوضح المركز أن هذه الإجراءات تُتخذ غالباً بذريعة المنع الأمني، دون إخطار أصحاب العلاقة بأسباب محددة أو سند قانوني واضح، ما ينعكس مباشرة على حقوقهم الأساسية في السفر والتنقل والإقامة والعمل والعلاج.

أزمة وثائق تهدد الحياة اليومية

لا تقتصر تداعيات هذه السياسة على تعطيل معاملة إدارية، بل تمتد لتطول تفاصيل الحياة اليومية للأفراد والأسر، فحرمان الشخص من جواز سفر ساري المفعول يعني فقدانه لوضعه القانوني في دولة الإقامة، أو حرمانه من فرص الدراسة والعمل، أو من العلاج والسفر في الحالات الطارئة، كما يضع بعضهم تحت خطر الترحيل القسري أو الغرامات القانونية، ويجعلهم عالقين في حالة من القلق الدائم وعدم اليقين.

وأكد المركز الحقوقي أنه وثق حالات لطلبة جامعيين تعطل مستقبلهم الأكاديمي بسبب عدم القدرة على تجديد جوازات السفر، ومرضى لم يتمكنوا من السفر لتلقي العلاج أو تجديد إقاماتهم، إضافة إلى عائلات كاملة باتت دون وثائق سارية، في ظل غياب أي جدول زمني أو آلية واضحة لمعالجة طلباتهم.

قصص فردية بأبعاد جماعية

من الحالات التي وثقها المركز، حالة الطالب الجامعي محمود البالغ من العمر 22 عاماً من قطاع غزة المقيم في تركيا، أفاد محمود أنه تقدم في شهر أكتوبر 2025 بطلب لتجديد جواز سفره لدى القنصلية الفلسطينية في إسطنبول، بهدف التقدم لمنحة دراسية، وبعد مراجعات متكررة استمرت لأسابيع، أُبلغ شفهياً بوجود رفض أمني صادر عن جهاز المخابرات، دون تقديم أي تفسير أو وثيقة رسمية، نتيجة لذلك خسر محمود فرصة التقديم للمنحة، وبات يخشى من انتهاء إقامته وفقدان وضعه القانوني.

وفي ماليزيا يواجه خالد البالغ من العمر 26 عاماً من خان يونس وضعاً مشابهاً، فقد تقدم منذ شهرين بطلب لتجديد جواز سفره لدى السفارة الفلسطينية، دون أن يتلقى أي رد، رغم أن المدة المعتادة لإنجاز المعاملة لا تتجاوز شهراً واحداً، وأوضح خالد أنه واحد من نحو 10 خريجين فلسطينيين من الجامعات الماليزية عالقين حالياً بسبب عدم قدرتهم على تجديد جوازات سفرهم، ما يمنعهم من استكمال إجراءات العمل أو العودة أو السفر.

أما ريم البالغة من العمر 33 عاماً من مدينة غزة والمقيمة في قطر، فأُبلغت بعد نحو 3 أشهر من تقديم طلبها لتجديد جواز السفر بوجود منع أمني، وتبين لها لاحقاً بشكل غير رسمي أن السبب يعود إلى الانتماء السياسي لعدد من أفراد أسرتها، حيث كان شقيقان لها يعملان في الشرطة في غزة واستشهدا خلال غارة إسرائيلية في الحرب الأخيرة، حالة ريم تعكس بوضوح اتساع دائرة العقوبة لتشمل الانتماء العائلي والسياسي، وليس فقط الفرد المعني بالطلب.

انتهاك صريح لحقوق أساسية

شدد مركز غزة لحقوق الإنسان على أن الامتناع التعسفي عن إصدار أو تجديد جوازات السفر، سواء على أساس الانحدار الجغرافي من قطاع غزة أو بدعوى المنع الأمني أو بسبب الانتماء السياسي، يشكل انتهاكاً جسيماً لجملة من الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الأساسي الفلسطيني والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين.

وأوضح المركز أن هذه الممارسات تنتهك الحق في حرية التنقل واختيار مكان الإقامة المكفول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والحق في الاعتراف بالشخصية القانونية، والحق في التمتع بوثائق هوية وجوازات سفر سارية، كما تمثل شكلاً من أشكال التمييز المحظور على أساس الرأي السياسي أو الأصل الاجتماعي أو الانتماء الجغرافي.

المنع الأمني بين القانون والتعسف

بحسب المعايير القانونية، فإن أي تقييد لحق إصدار الوثائق الرسمية يجب أن يستند إلى نص قانوني واضح، وأن يصدر بموجب قرار قضائي فردي ومسبب، مع توفير ضمانات المحاكمة العادلة وحق الطعن والمراجعة القضائية، غير أن استخدام مصطلح المنع الأمني بصيغة عامة ومبهمة، دون نشر معايير أو إجراءات، ودون تمكين المتضررين من الدفاع عن أنفسهم، يعد تعسفاً في استعمال السلطة.

وأشار المركز إلى أن هذه الممارسات قد ترقى إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني، خاصة عندما ترتبط بالانتماء إلى قطاع غزة بوصفه منطقة جغرافية، أو بالانتماء السياسي أو العائلي، في سياق يعاني فيه القطاع من حصار وعدوان مستمرين.

نداءات للمساءلة والإصلاح

دعا مركز غزة لحقوق الإنسان السلطة الفلسطينية، بصفتها الجهة المخولة قانوناً بإصدار الوثائق الرسمية، إلى الوقف الفوري لسياسة رفض إصدار أو تجديد جوازات السفر على أسس غير قانونية، كما طالب بنشر معايير واضحة ومكتوبة لأي قيود استثنائية محتملة، وضمان توافقها مع القانون الأساسي الفلسطيني والالتزامات الدولية.

وشدد المركز على ضرورة توفير آليات تظلم فعالة ومستقلة، وتحديد مدد زمنية واضحة لمعالجة الطلبات، وتوجيه السفارات والبعثات الفلسطينية للتعامل باعتبارها جهات خدمة عامة هدفها حماية حقوق المواطنين، لا أدوات لفرض القيود أو التمييز.

كما دعا المركز المتضررين إلى توثيق حالاتهم والتواصل مع المؤسسات الحقوقية المختصة لمتابعة قضاياهم قانونياً، ما يسهم في مساءلة الجهات المسؤولة وإنصاف الضحايا.

تأتي هذه الأزمة في سياق إنساني وسياسي بالغ التعقيد، إذ يعيش قطاع غزة منذ سنوات تحت حصار مشدد، تفاقم بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023، والتي أسفرت عن سقوط أكثر من 242000 فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 11000 مفقود، ودمار واسع شمل معظم مناطق القطاع، وفي ظل هذه الظروف، اضطر آلاف الفلسطينيين من غزة إلى الإقامة في الخارج بحثاً عن الدراسة أو العلاج أو العمل.

غير أن معاناة الغزيين لم تتوقف عند حدود القطاع، بل امتدت إلى المنافي، حيث يواجه كثير من الفلسطينيين المقيمين بالخارج عراقيل إدارية وسياسات تمييزية تحرمهم من أبسط حقوقهم القانونية، ويؤكد حقوقيون أن ضمان الحق في جواز السفر وحرية التنقل ليس امتيازاً، بل التزام قانوني وأخلاقي على عاتق أي سلطة، خاصة في ظل واقع إنساني استثنائي يتطلب الحماية لا التضييق.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية