تقرير حقوقي: آلاف المهاجرين السوريين بلا أثر وعائلاتهم عالقة بين الأمل والانتظار

تقرير حقوقي: آلاف المهاجرين السوريين بلا أثر وعائلاتهم عالقة بين الأمل والانتظار
مهاجرون سوريون في البحر

تمثل أزمة المهاجرين المفقودين واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إلحاحاً في العالم المعاصر، حيث تحوّلت طرق الهجرة إلى مسارات محفوفة بالموت والاختفاء، وخلقت جراحا عميقة لا تندمل في حياة آلاف العائلات، وخلال العقد الأخير، فقد عشرات الآلاف حياتهم أو اختفوا أثناء محاولاتهم العبور برا وبحرا بحثا عن الأمان أو الكرامة أو فرصة حياة أفضل، في ظل نزاعات دامية واضطهاد وفقر مدقع وانسداد سبل الهجرة النظامية.

وفي تقرير لها الثلاثاء ذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنه بحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة ومشروع المهاجرين المفقودين التابع لها، فقد لقي أكثر من 50000 شخص حتفهم أو فُقدوا أثناء الهجرة حول العالم حتى عام 2022، فيما تجاوز عدد من قضوا خلال محاولات الوصول إلى أوروبا وحدها منذ عام 2014 حاجز 29000 شخص، معظمهم من مناطق الشرق الأوسط وإفريقيا، مع تسجيل السوريين النسبة الأعلى من الضحايا على طريق البحر المتوسط.

المتوسط أخطر طرق الهجرة

يعد البحر المتوسط الطريق الأكثر دموية للهجرة في العالم. فمنذ عام 2014، قُدّر أن أكثر من 32000 مهاجر فقدوا حياتهم أو فُقدوا في مياهه خلال محاولات العبور، وفي عام 2023 وحده، سُجلت 3129 حالة وفاة واختفاء، ما جعله من أكثر الأعوام دموية على الإطلاق، تعود هذه المآسي إلى غرق القوارب المتهالكة، وسوء الأحوال الجوية، وتأخر عمليات الإنقاذ أو غيابها، إضافة إلى سياسات الردع والإرجاع القسري التي دفعت المهاجرين إلى سلوك طرق أشد خطورة.

وثّقت منظمات حقوقية وإنسانية إخفاق بعض الدول الساحلية في القيام بواجبات البحث والإنقاذ، بل ورصدت ممارسات خطرة شملت اعتراض قوارب المهاجرين أو إطلاق النار قربها، ما تسبب بحالات هلع وغرق، وفي حالات أخرى، تُرك ناجون ومفقودون بلا توثيق واضح، لتبدأ معاناة جديدة لعائلات لا تعرف مصير أبنائها.

مآسٍ صامتة على طرق البر

لا تقتصر المأساة على البحر وحده، إذ يسقط مهاجرون كثر على طرق البر بصمت بعيداً عن الأضواء، على الحدود السورية التركية، تم توثيق مقتل 264 سوريا أثناء محاولتهم العبور هربا من النزاع، سواء بإطلاق النار أو لأسباب أخرى، وعلى الحدود بين تركيا واليونان، خصوصا في منطقة نهر إيفروس، لقي ما لا يقل عن 126 شخصا حتفهم منذ عام 2021، كما فقد العشرات على طريق البلقان الغربي في الأنهار والغابات النائية.

وتبقى بعض الحوادث محفورة في الذاكرة الجماعية، مثل مأساة عام 2015 حين اختنق 71 مهاجرا داخل شاحنة مغلقة في النمسا، بينهم سوريون، في واحدة من أبشع صور تهريب البشر، في جميع هذه الوقائع، يظل القاسم المشترك هو الغياب، وترك العائلات فريسة للانتظار والشك والأسئلة التي لا تجد إجابة.

عائلات بين الفقد والانتظار

لا تنتهي المعاناة عند لحظة الاختفاء، بل تبدأ رحلة طويلة من الألم لعائلات المفقودين، ويعيش الأهالي حالة فقدان غامض، حيث لا يعرفون إن كان عليهم الحداد أم التمسك بالأمل، هذا الغموض يولد صدمات نفسية مزمنة تشمل القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والشعور بالذنب، وقد تستمر آثارها لسنوات طويلة.

إلى جانب الألم النفسي، تواجه الأسر تبعات اجتماعية وقانونية معقدة، فغياب شهادة وفاة يحرم الزوجات من حقوق قانونية، ويضع الأبناء في أوضاع هشّة، ويمنع الأسر من الوصول إلى الميراث أو المساعدات الاجتماعية، وفي كثير من الحالات، يكون المفقود هو المعيل الوحيد، ما يفاقم الأزمات الاقتصادية للعائلة، كما تنفق عائلات كثيرة مدخراتها في محاولات يائسة للبحث عبر بلدان متعددة، وسط حواجز لغوية وبيروقراطية وخوف من التعامل مع السلطات بسبب أوضاع الإقامة غير النظامية.

الحق في معرفة الحقيقة

أكدت الأمم المتحدة أن الحق في معرفة الحقيقة حق مستقل وأساسي لعائلات ضحايا الانتهاكات الجسيمة، ولا يجوز تقييده حتى في حالات الطوارئ، بالنسبة لعائلات المهاجرين المفقودين، يمثل هذا الحق المدخل الوحيد للتعافي النفسي ووضع حد لعذاب الانتظار، ويعتبر حرمان الأسر من أي معلومات عن مصير أبنائها، مع وجود تقصير أو تواطؤ رسمي، شكلا من أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.

يندرج هذا الحق ضمن التزامات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، الذي ينص على حق العائلات في معرفة مصير أقاربها، ورغم أن الهجرة لا تقع دائما ضمن سياق نزاع مسلح، فإن القيم الإنسانية ذاتها تنطبق عندما يتعلق الأمر باختفاء أشخاص وترك عائلاتهم دون إجابات.

مسؤوليات الدول والتزاماتها

تقع على عاتق الدول مسؤوليات واضحة في حماية الحق في الحياة لجميع الأفراد دون تمييز، بما في ذلك المهاجرون، ويشمل ذلك منع الوفيات التي يمكن تجنبها، وتوفير مسارات آمنة، وضمان عمليات بحث وإنقاذ فعالة، والتحقيق الجاد في كل حالة وفاة أو اختفاء، كما يفرض القانون على الدول تحديد هوية الضحايا، وإبلاغ عائلاتهم، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير أو انتهاك.

إن السياسات الممنهجة مثل الإرجاع القسري أو تجاهل نداءات الاستغاثة لا تنتهك فقط القانون البحري الدولي، بل تسهم مباشرة في زيادة أعداد المفقودين، وقد حذرت هيئات أممية من أن الإخفاق المنهجي في البحث والكشف عن المصير قد يرقى إلى الاختفاء القسري إذا ثبت تورط الدولة أو امتناعها المتعمد عن تقديم المعلومات.

جهود قائمة وفجوات خطيرة

رغم حجم المأساة، لا تزال الاستجابة الدولية مجزأة وغير كافية، فمشروع المهاجرين المفقودين يوفر بيانات مهمة، لكنه لا يملك ولاية للبحث الفردي أو التحقيق الجنائي. وتقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بدور إنساني عبر برنامج استعادة الروابط العائلية، إلا أن نقص التعاون الحكومي والبيانات الرسمية يحد من فاعليته.

اتخذت بعض الدول مبادرات وطنية، مثل إنشاء بنوك للحمض النووي في إيطاليا وإسبانيا للتعرف على الجثامين المجهولة، لكنها تبقى محدودة النطاق، ولا توجد حتى اليوم آلية دولية مركزية متخصصة بالمهاجرين المفقودين على غرار الآليات المنشأة لضحايا النزاعات المسلحة، ما يترك العائلات دون مرجعية واضحة.

تفاقمت أزمة المهاجرين المفقودين مع تصاعد النزاعات منذ عام 2011، وعلى رأسها الأزمة السورية التي دفعت ملايين الأشخاص إلى الهجرة القسرية، ومع تشديد سياسات الهجرة في دول المقصد، أُغلقت المسارات النظامية، ما دفع الناس إلى الاعتماد على طرق غير آمنة عبر البحر والصحراء، ورغم التحذيرات المتكررة من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، استمرت الوفيات والاختفاءات، وسط غياب إرادة سياسية دولية كافية لمعالجة جذور المشكلة.

اليوم، لا تتعلق هذه الأزمة بالأرقام وحدها، بل بأسماء ووجوه وقصص إنسانية انقطعت فجأة، إن إنصاف عائلات المهاجرين المفقودين يبدأ بالاعتراف بحقهم في معرفة الحقيقة، وبترجمة الالتزامات القانونية إلى أفعال ملموسة تحمي الحياة وتصون الكرامة الإنسانية، لأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، سواء كان على ضفة البحر أو خلف حدود مغلقة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية