دافوس 2026.. رئيس الوزراء الكندي: النظام الدولي يشهد "شرخاً" يهدد حقوق الشعوب

دافوس 2026.. رئيس الوزراء الكندي: النظام الدولي يشهد "شرخاً" يهدد حقوق الشعوب
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس

وصف رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، النظام الدولي القائم على القواعد بأنه يشهد "شرخاً، لا مرحلة انتقالية"، وذلك خلال خطابه في المنتدى الاقتصادي "دافوس 2026"، داعياً "القوى المتوسطة" إلى التوحد، في وقت تتصاعد فيه أزمة غرينلاند وتهديدات الولايات المتحدة بحرب تعريفات جمركية مع أوروبا.

جاءت هذه التصريحات في سياق التوترات المتصاعدة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، ووسط استعداد دافوس لاستقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي باتت تصريحاته تُثير قلقاً واسعاً داخل الحلف الأطلسي وخارجه.

وحذر كارني من وهم "نظام عالمي تهيمن عليه الولايات المتحدة"، وقال إن حقبة التعددية تقترب من نهايتها مع تراجع نفوذ منظمات مثل منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة، في وصف يتجاوز مجرد تقييم سياسي ليصبح مؤشراً على تآكل قواعد النظام الدولي، وبالتالي تراجع حماية حقوق الدول والشعوب أمام ضغوط القوة والهيمنة.

لاقى خطاب كارني استحسان المديرين التنفيذيين في المنتدى الاقتصادي العالمي، رغم أنه لم يذكر ترامب صراحة، لكن السياق كان واضحاً، خاصة بعد تهديد ترامب الحلفاء الأوروبيين بفرض تعريفات جمركية جديدة إذا لم يقبلوا مسعاه لضم غرينلاند، في حين يبدو محاولة لإعادة ترتيب خريطة النفوذ في منطقة القطب الشمالي.

وتؤشر تصريحات كارني إلى أن "المنفعة المتبادلة" لم تعد ضماناً للأمن والرخاء، بل قد تتحول إلى "تبعية" إذا استمر التكامل الاقتصادي تحت شروط قوة واحدة، وقال إن على القوى المتوسطة، ومنها كندا، التعاون فيما بينها؛ لأن من لا يكون حاضراً على طاولة المفاوضات "يكون على قائمة الطعام"، في إشارة واضحة إلى أن الحق في تقرير المصير الاقتصادي والسياسي بات مهدداً في ظل تفكك قواعد النظام الدولي.

بين دافوس وغرينلاند

أثار تدخل كارني في دافوس جدلاً واسعاً؛ لأنه جاء في توقيت حساس، حيث تتصارع العواصم الأوروبية مع كيفية الرد على عدائية ترامب بشأن غرينلاند، ومساعيه للسيطرة على الجزيرة التي تُعد منطقة استراتيجية في القطب الشمالي.

وأرسلت الدنمارك قوات إضافية إلى الإقليم شبه المستقل وسط تصاعد التوترات، في حين رفض البيت الأبيض استبعاد الاستيلاء على الجزيرة بالقوة، وهو تهديد يضع قواعد القانون الدولي وحق الشعوب في سيادة أراضيها على المحك.

تسببت هذه التوترات في قلق واسع داخل الاتحاد الأوروبي، حيث اتخذت تصريحات ترامب شكلاً من أشكال الابتزاز الاقتصادي والسياسي، وهو ما دفع القادة الأوروبيين إلى التهديد بردود متوازنة، ومنها استخدام أدوات اقتصادية قوية، في مؤشر إلى أن التوتر لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي بل أصبح اختباراً لصلابة التحالفات.

شهد هذا السياق تراجعاً في ثقة الحلفاء في واشنطن، بعدما بدا أن الرئيس الأمريكي يختبر حدود التحالف عبر استخدام التعريفات بوصفها أداة ضغط، وهو ما أضعف من قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على حماية الدول الصغيرة أو الضعيفة، ورفع من احتمال أن تتحول الحقوق الدولية إلى "لعبة" تُدار وفق مصالح قوى عظمى.

أبرز خطاب كارني أن "الحنين إلى الماضي ليس استراتيجية"، وأن "الانقسام" الذي يشهده العالم قد يكون فرصة لإعادة بناء نظام أكثر عدلاً، لكن هذا البناء لن يتحقق إذا استمرت سياسات القوة في تحويل العلاقات الدولية إلى موازين قوى وحسابات ضغوط، بدلاً من قواعد حقوق وواجبات.

ودفع هذا الخطاب العديد من الشخصيات الأوروبية إلى الإشادة به، مثل أليستر كامبل الذي وصفه بأنه "مثال حقيقي للقيادة"، وكارل بيلدت الذي اعتبره "بالغ الأهمية"، في دلالة على أن خطاب كارني لم يكن مجرد خطاب سياسي، بل رسالة واضحة إلى أوروبا وحلفاء الناتو بأن النظام الدولي قد فقد قدرته على حماية القواعد الأساسية للحقوق.

اختبار للحق في السيادة

سعت الولايات المتحدة، وفق ما ورد في تقرير لـ "أسوشيتد برس"، إلى فرض تعريفات جمركية على ثماني دول أوروبية بسبب غرينلاند، ما أثار غضب الاتحاد الأوروبي وقلقاً من شرخ في العلاقات مع واشنطن قد يزعزع حلف الناتو.

عدّ مسؤول رفيع في الاتحاد الأوروبي التعريفات الجديدة "خطأ"، في حين حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن الاتحاد قد يرد باستخدام أداة "بازوكا التجارة"، في رسالة مفادها أن أوروبا ليست مجرد سوق مفتوحة بل طرف سياسي قادر على حماية مصالحه وحقوقه.

وأكد ترامب، في مقابلته بعد ذلك، أن الولايات المتحدة قد تستخدم القوة أو بدائل أخرى إذا لم تُمنح غرينلاند، وأن أي شيء أقل من امتلاكها "غير مقبول"، ما يضع حق الشعوب في السيادة والقرار السياسي في مواجهة تهديدات مباشرة من دولة عظمى.

تزامن ذلك مع إعلان رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، أن "القانون الدولي ليس لعبة"، وأن احترام السلامة الإقليمية يجب أن يكون قاعدة موحدة للدول الديمقراطية الغربية.

هذه التصريحات تُظهر أن الحق في السيادة ليس مجرد مفهوم قانوني، بل هو عنصر أساسي من حقوق الشعوب التي تُهددها حسابات القوة والسيطرة.

وأكد كارني أن فكرة وجود نظام دولي قائم على القواعد هي "وهم"، وأن الانقسامات العالمية تتجاوز حدود غرينلاند، ما يعني أن الخطر ليس مجرد نزاع جغرافي، بل تآكل في منظومة تحمي الحقوق الدولية وتضمن العدالة بين الدول.

حقوق الشعوب

جعلت تهديدات ترامب بغرينلاند المستثمرين العالميين قلقين، وتراجعت أسهم وول ستريت، ما يوضح أن صراعاً سياسياً على جزيرة بعيدة يمكن أن يهدد الاقتصاد العالمي، وأن هذا التهديد يحمل تبعات حقوقية مباشرة، إذ يتحول التفاوض إلى ابتزاز اقتصادي يطول دولاً وشعوباً.

وظهر في هذا السياق أن الحلفاء الأوروبيين يتعاملون مع الأزمة بشكل مختلف عما كان عليه الحال في عودة ترامب إلى منصبه، حيث كان البعض يمدحه أو يحاول كسب ودّه، لكن الآن يبدو أن أوروبا تتجه نحو موقف أكثر حزماً، وهو تحول يعكس إدراكاً أن الحقوق الدولية والالتزامات المتبادلة لم تعد محمية بنفس القوة، وأن حماية هذه الحقوق تتطلب وحدة وموقفاً مشتركاً.

وأشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند لردع الصين وروسيا، لكن إصراره على أن أي شيء أقل من امتلاكها غير مقبول يضع الحق في تقرير المصير والسيادة في مواجهة حسابات أمنية استراتيجية، ما يطرح سؤالاً حقوقياً جوهرياً: هل يمكن أن تتحول دول كاملة إلى "أهداف استراتيجية" تُباع وتُشترى وفق موازين القوى؟

أعاد هذا السياق طرح السؤال الحقوقي الأوسع: هل يمكن أن يظل النظام الدولي قائماً على قواعد إذا لم تعد القواعد تحمي أحداً؟ وهل يمكن أن تستمر المؤسسات الدولية في لعب دورها إذا كانت الدول الكبرى تتصرف كأنها فوق القانون؟

ويظهر أن دافوس لم تعد مجرد منصة اقتصادية، بل أصبحت ساحة سياسية تحمل في طياتها أسئلة حقوقية عميقة حول العدالة الدولية، وحماية السيادة، واحترام القانون الدولي، وضمان حقوق الشعوب في الأمن والعيش الكريم.

ويضع خطاب كارني، وتوترات غرينلاند، النظام الدولي على مفترق طرق: إما أن تعود القواعد لتكون أساساً للحقوق، أو أن يتحول العالم إلى "عالم الحصون" الذي وصفه كارني بأنه سيكون أفقر وأكثر هشاشة وأقل استدامة.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية