رأسمالية السفن الحربية.. تدخل ترامب في الاقتصاد الأمريكي يُعمّق الفقر العالمي

رأسمالية السفن الحربية.. تدخل ترامب في الاقتصاد الأمريكي يُعمّق الفقر العالمي
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أرشيف

تكشف عودة ما تصفه مجلة الإيكونوميست بـ"رأسمالية السفن الحربية" عن تحوّل عميق في علاقة الدولة بالسوق، لا يُقاس فقط بتغيّر سياسات التجارة والاستثمار، بل بآثاره المباشرة في منظومة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية عالميًا، في عالم تُعاد فيه هندسة الشركات متعددة الجنسيات وفق اعتبارات القوة والأمن بدلًا من اعتبارات الكفاءة والرخاء.

تُذكّر المجلة بأن التعاون بين الدولة والشركات ليس ظاهرة جديدة، إذ موّلت شركات الهند الشرقية الإمبراطوريتين البريطانية والهولندية، في حين أمّنت الحكومات لهما الغطاء العسكري والدبلوماسي، وأسهمت شركات مثل "كروب"و"ميتسوبيشي" في التصنيع مقابل ضمان الوصول إلى الموارد والأسواق، غير أن مرحلة الثمانينيات دشّنت تراجع الدولة وصعود العولمة غير المقيّدة، قبل أن يعود هذا النموذج اليوم بصورة أكثر حدّة.

وتُشير "الإيكونوميست" إلى أن عودة الحرب إلى أوروبا وتصاعد نفوذ الصين دفعا السياسيين إلى إعادة رسم خريطة الأعمال العالمية عبر تحديد المجالات الجغرافية والقطاعات المسموح للشركات متعددة الجنسيات بالعمل فيها، في تدخل حكومي واسع يُعيد الاقتصاد إلى منطق الجغرافيا السياسية.

عودة الدولة

ذهب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق المجلة، إلى أبعد من مجرد التنظيم، إذ ينظر إلى الشركات بوصفها أدوات مباشرة لتعزيز سلطة الدولة، بعدما ضغط على شركات النفط الأمريكية للعودة إلى فنزويلا، وهددها بالعقوبات، وتدخل في قرارات شركات الدفاع، وطالب شركات التكنولوجيا التي تبيع معالجات متقدمة للصين بتقاسم الأرباح مع الحكومة.

وتحذر "الإيكونوميست" من أن هذا المسار ستكون له عواقب وخيمة على الشركات الغربية متعددة الجنسيات التي تحقق مبيعات سنوية تقارب 23 تريليون دولار، وأرباحًا تبلغ 2.4 تريليون دولار، وتوظف ملايين الأشخاص حول العالم، إذ يقود هذا التدخل إلى عالم أقل ازدهارًا، دون أن يكون بالضرورة أكثر أمانًا.

وترصد المجلة بالأرقام كيف بدأت هذه التحولات تُعيد تشكيل الاقتصاد العالمي بالفعل؛ ففي عام 2016 أنفقت الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات 44% من رأسمالها داخل الولايات المتحدة، في حين ارتفعت النسبة اليوم إلى 69%.

في المقابل انخفضت المبيعات الخارجية بالقيمة الحقيقية، خاصة في القطاعات التي تعدها الحكومات "استراتيجية" مثل البرمجيات، والأدوية، وصناعة السيارات.

ويوضح الممثل التجاري للرئيس ترامب، جيمسون جرير، أن "ذروة العولمة لن تعود"، في إقرار رسمي بأن تدخل الدولة سيظل السمة الغالبة، وهو ما يضع مستقبل الحقوق الاقتصادية للعمال والمستهلكين في قلب هذا التحول.

تراجع العولمة

يكشف تحليل "الإيكونوميست" لعوائد رأس المال المستثمر للشركات الغربية غير المالية التي تتجاوز مبيعاتها 10 مليارات دولار خلال عامي 2023 و2024، أن الشركات متعددة الجنسيات حققت عوائد أقل من منافسيها المحليين في سبعة من أصل تسعة قطاعات، مع اتساع الفجوة منذ عامي 2018-2019، في مؤشر على تآكل نموذج الأعمال العابر للحدود.

وتطرح المجلة تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت هذه التكاليف يمكن تبريرها أمنيًا، خصوصًا مع تصاعد الإنفاق الدفاعي، وحظر تصدير الرقائق المتقدمة، لكنها تشدد على أن المشكلة تكمن في طبيعة تدخل إدارة ترامب التي تركز، بحسبها، على "مصادر قوة خاطئة"، في وقت بات فيه الابتكار ورأس المال غير الملموس هما أساس التنافس الاقتصادي.

وتنتقد حرب ترامب على العلم والهجرة، معتبرة أنها تُضعف مقومات الابتكار، وتنعكس سلبًا على الحقوق المرتبطة بالعمل، والتنقل، والمعرفة، فضلًا عن خلق حالة من الغموض السياسي تجعل كل قرار اقتصادي عرضة للضغط أو الفساد، وتقوّض قدرة الشركات على التخطيط.

وتخلص المجلة إلى أن رأسمالية القوة العسكرية، رغم جاذبيتها الخطابية، لن تحقق لا الرخاء ولا الأمن؛ لأن الريوع التي تخلقها الحكومات تشوّه الأسواق، وتُفقر الدول، وتقلّص فرص مواطنيها.

وأوضحت مجلة "فورين بوليسي"، في تحليل أجرته يوليو الماضي، هذا التحول من زاوية أكثر مباشرة، واصفة ما يجري في الولاية الثانية لترامب بأنه تبنٍ غير مسبوق لرأسمالية الدولة، يتجاوز ما عرفته الولايات المتحدة تاريخيًا.

تسرد المجلة سلسلة الإجراءات التي اتخذها ترامب، من الاستحواذ على حصة شخصية في شركة صلب أمريكية كبرى، إلى تكليف وزارة الدفاع بشراء جزء من شركة تعدين للمعادن النادرة، ووضع خطط لإعادة هيكلة صناعة بناء السفن عبر الاستثمار الحكومي المباشر، واختيار "الرابحين والخاسرين" في الصناعات المستقبلية.

رأسمالية الدولة

تقول الأستاذة بجامعة إنديانا بلومنجتون، سارة باورلي دانزمان، إن هذه إدارة جمهورية تتبنى رأسمالية الدولة بشكل لم يُشهد منذ زمن طويل، رغم خطابها المعادي للاشتراكية، في تناقض يعكس توسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل كل شيء تقريبًا.

وتوضح "فورين بوليسي" أن هذا التوجه ليس حكرًا على ترامب، إذ سبقه الرئيس جو بايدن بسياسات صناعية واسعة، كما حاول الاتحاد الأوروبي السير في الاتجاه ذاته، لكن ما يميز ترامب هو توظيف هذا النموذج بأدوات أقل شفافية وأكثر ارتباطًا بالسلطة التنفيذية المباشرة.

وتربط المجلة بين هذا التحول وسلاسل التوريد التي انهارت خلال جائحة كوفيد-19، واستخدام قانون الإنتاج الدفاعي لتوجيه الاقتصاد، وهو ما أعاد تعريف دور الدولة بوصفها فاعلًا اقتصاديًا مباشرًا، لا مجرد منظم.

وتنقل عن الباحث بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، توبياس جيرك، قوله إن فشل أجندة "تقليل المخاطر" في مجال المواد الخام الحيوية دفع الحكومات إلى تدخل مباشر، لكنه حذّر من أن هذا المسار محفوف بالمخاطر.

وتختم فورين بوليسي بتأكيد أن التحدي لا يكمن في مبدأ تدخل الدولة، بل في كيفية تطبيقه، محذّرة من أن منح أدوات السيطرة الاقتصادية لقيادة متقلبة قد يقوّض الاستثمار، ويعيد تشكيل الاقتصاد العالمي على حساب الحقوق الاقتصادية، والاستقرار، والمساءلة.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية