تفكيك شبكة عابرة للحدود.. يوروبول تواجه إمبراطورية المخدرات الاصطناعية في أوروبا
تفكيك شبكة عابرة للحدود.. يوروبول تواجه إمبراطورية المخدرات الاصطناعية في أوروبا
أعلنت الشرطة الأوروبية (يوروبول) عن تفكيك شبكة مركزية لإنتاج وتوزيع المخدرات الاصطناعية كانت تنشط في عدة دول أوروبية، في عملية أمنية واسعة وُصفت بأنها الكبرى من نوعها على الإطلاق، وأسفرت عن كشف بنية إجرامية معقدة امتدت من استيراد المواد الكيميائية إلى التصنيع والتوزيع، مخلفة آثاراً صحية وبيئية وأمنية جسيمة.
وبحسب ما نقلته وكالة فرانس برس، الأربعاء، فقد أكدت يوروبول أن العملية جاءت ثمرة تعاون أمني استمر عاماً كاملاً، ونجحت في تفكيك 24 مختبراً سرياً ومصادرة نحو 1000 طن من المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع مخدرات الإكستاسي والأمفيتامين والميثامفيتامين، إلى جانب اعتقال أكثر من 85 شخصاً في دول عدة.
عملية غير مسبوقة في تاريخ يوروبول
قال مدير مركز مكافحة الجريمة المنظمة الأوروبي التابع لمنظمة يوروبول آندي كراغ إن هذه العملية تمثل أكبر تحرك تنفذه الوكالة على الإطلاق ضد إنتاج وتوزيع المخدرات الاصطناعية، وأوضح أن حجم الشبكة وتعقيدها وانتشارها الجغرافي جعل منها هدفاً أولوياً للأجهزة الأمنية الأوروبية؛ نظراً لما تشكله من تهديد مباشر للصحة العامة والأمن المجتمعي.
وأشار كراغ إلى أن الاعتقالات شملت شخصيات قيادية داخل الشبكة، بينهم زعيماها المزعومان وكلاهما من بولندا، معتبراً أن إسقاط القيادات يمثل ضربة موجعة لقدرة هذه الجماعات على إعادة تنظيم نفسها بسرعة، وأضاف أن العملية قلصت بشكل كبير قدرة هذه الشبكات على مواصلة نشاطها في المدى القريب.
أرباح ضخمة تغذي الجريمة المنظمة
وخلال مؤتمر صحفي عُقد في وارسو، أوضحت الشرطة البولندية أن الأرباح التي تحققها هذه الشبكات هائلة، إذ يحقق المهربون ربحاً يقارب 30 يورو مقابل كل يورو يُنفق على إنتاج المخدرات، وأكدت أن هذه العوائد المالية الضخمة تشكل حافزاً رئيسياً لاستمرار الجريمة المنظمة وتوسعها، وتغذي أنشطة أخرى مرتبطة بالعنف وغسيل الأموال والفساد.
شاركت في العملية قوات شرطة من بلجيكا وتشيكيا وألمانيا وهولندا وبولندا وإسبانيا، في نموذج للتنسيق الأمني العابر للحدود، واعتبرت يوروبول أن هذا التعاون كان حاسماً في تتبع مسارات الإمداد وتبادل المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ المداهمات المتزامنة التي منعت تسرب المعلومات إلى أفراد الشبكة.
بداية الخيط في عام 2024
تعود جذور التحقيق إلى عام 2024، عندما بدأت الشرطة البولندية تلاحظ نشاطاً غير اعتيادي مرتبطاً باستيراد كميات ضخمة من المواد الكيميائية القانونية من الصين والهند، وأوضحت السلطات أن هذه المواد تُستخدم عادة في صناعة الأدوية، إلا أن حجم الشحنات وطبيعة الشركات المستوردة أثارا الشبهات.
أكدت الشرطة البولندية أن المواد الأولية التي استوردتها الشبكة كانت قانونية من حيث الأصل، لكنها استُخدمت خارج إطارها المشروع، وأظهرت التحقيقات أن الكميات المستوردة لا تتناسب إطلاقاً مع الاحتياجات الفعلية للشركات التي ادعت استخدامها لأغراض صناعية أو دوائية، ما كشف أنها مجرد واجهات لنشاط إجرامي منظم.
إعادة تعبئة وتزوير قبل التوزيع
كشف التحقيق أن هذه المواد كانت تُعاد تعبئتها وتغيير بياناتها ووثائقها، ثم تُوزع على مختبرات سرية في أنحاء أوروبا لتصنيع المخدرات الاصطناعية، وبهذه الطريقة تمكنت الشبكة من التحايل على أنظمة الرقابة لفترة طويلة، قبل أن تنجح السلطات في اختراق السلسلة كاملة.
عرضت الشرطة البولندية لقطات مصورة للمداهمات أظهرت عشرات البراميل والخزانات المملوءة بالمواد الكيميائية المخزنة في مستودعات متعددة، إضافة إلى مختبرات معالجة متطورة داهمها محققون مدججون بالسلاح، وأظهرت المشاهد مدى الاحتراف والتنظيم الذي عملت به الشبكة.
جنسيات متعددة داخل الشبكة
أفادت يوروبول بأن غالبية المعتقلين يحملون الجنسية البولندية، إلا أن التحقيقات تشير إلى تورط مواطنين من بلجيكا وهولندا أيضاً، ما يعكس الطبيعة العابرة للحدود لهذه الشبكات وقدرتها على استقطاب عناصر من دول مختلفة.
أكد آندي كراغ أن العملية تندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك سلاسل الإمداد واقتلاع صناعة المخدرات الاصطناعية من جذورها، وليس الاكتفاء بملاحقة المروجين في الشوارع، وأوضح أن قطع مصادر المواد الأولية يشل قدرة هذه الجماعات على الاستمرار.
تحديث قوائم المواد الخطرة
من جانبه قال قائد الشرطة البولندية ماريك بورون إن الأجهزة الأمنية تعمل باستمرار على تحديث قائمة المواد الكيميائية التي تدخل السوق، بهدف رصد أي إساءة استخدام محتملة، وأضاف أن السلطات باتت في مرحلة متقدمة من تحديد المواد التي يُساء استخدامها حالياً في إنتاج المخدرات.
لم تقتصر تحذيرات يوروبول على المخاطر الصحية المرتبطة بتعاطي المخدرات الاصطناعية، بل شملت أيضاً ما تولده من عنف وفساد وغسيل أموال داخل المجتمعات الأوروبية، وأكد كراغ أن هذه البيئة الإجرامية تزعزع الاستقرار وتستنزف موارد الدول.
كارثة بيئية صامتة
سلطت يوروبول الضوء على الأثر البيئي المدمر لإنتاج المخدرات الاصطناعية، حيث ضبطت السلطات أكثر من 120000 لتر من النفايات الكيميائية السامة التي يلقيها المجرمون عادة في البر أو في المجاري المائية، وحذر كراغ من أن هذه الممارسات تحول أرباح اليوم إلى تلوث طويل الأمد يهدد صحة الإنسان والبيئة.
ورغم حجم العملية ونجاحها، شددت يوروبول على أن الشبكة المفككة ليست الوحيدة في أوروبا، وحذر كراغ من وجود شبكات أخرى لا تزال تنشط في الخفاء، مؤكداً أن التحقيقات ستتواصل لتتبع أي امتدادات متبقية ومنع إعادة تشكل هذه الأنشطة.
تشهد أوروبا خلال السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في إنتاج وتداول المخدرات الاصطناعية التي تتميز بانخفاض كلفة إنتاجها وسهولة نقلها مقارنة بالمخدرات التقليدية، وتعتمد هذه الصناعة على مواد كيميائية قانونية تُستورد بكميات كبيرة ثم يُساء استخدامها في مختبرات سرية، ما يصعّب على السلطات رصدها في مراحلها الأولى، وتعد يوروبول الجهة المركزية المنسقة لجهود مكافحة الجريمة المنظمة في الاتحاد الأوروبي، حيث تعمل على دعم أجهزة الشرطة الوطنية عبر تبادل المعلومات وتنفيذ عمليات مشتركة، وتأتي هذه العملية الكبرى في سياق مساعٍ متزايدة لوقف تمدد هذا النوع من المخدرات الذي لا يهدد صحة المتعاطين فحسب، بل يقوض الأمن البيئي والاقتصادي والاجتماعي في القارة بأكملها.











