من غزة إلى العالم.. ترامب يطلق مجلس السلام ويثير جدلاً دولياً حول الدور والنفوذ

من غزة إلى العالم.. ترامب يطلق مجلس السلام ويثير جدلاً دولياً حول الدور والنفوذ
ترامب يعلن رسمياً من دافوس إطلاق مجلس السلام

أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الخميس، رسمياً مجلس السلام في خطوة وُصفت بأنها طموحة ومثيرة للجدل في آن واحد، بعد أن كان المجلس يركز في الأصل على إنهاء الحرب في قطاع غزة، قبل أن تشير واشنطن إلى أنه قد يضطلع بأدوار أوسع على الساحة الدولية، في حين فتح الإعلان الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة هذا الكيان الجديد وحدود نفوذه وإمكانية تحوله إلى أداة ضغط سياسي خارج الأطر الدولية التقليدية.

ووفقاً لما نقلته وكالة رويترز، أكد ترامب خلال مراسم التوقيع التي أقيمت في مدينة دافوس السويسرية أن مجلس السلام سيعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة ولن يكون بديلاً عنها، مشدداً على أن المنظمة الدولية تمتلك إمكانات كبيرة لم يتم استثمارها بالشكل الكافي حتى الآن، وقال إن المجلس بعد اكتمال تشكيله سيكون قادراً على التعامل مع عدد كبير من القضايا الدولية المعقدة بالتعاون مع الأمم المتحدة.

إطار جديد بطموحات مفتوحة

ترامب الذي سيترأس مجلس السلام بنفسه دعا عشرات القادة حول العالم إلى الانضمام إليه، معتبراً أن المجلس لا يهدف فقط إلى معالجة وقف إطلاق النار الهش في غزة، بل يسعى للتعامل مع تحديات عالمية أوسع تتعلق بالنزاعات والاستقرار الدولي. وأوضح أنه لا ينوي تحويل المجلس إلى كيان موازٍ أو بديل للأمم المتحدة، بل منصة إضافية لتعزيز جهود السلام.

لكن هذه الطموحات الواسعة أثارت قلقاً واضحاً لدى قوى دولية كبرى، خصوصاً مع إعلان ترامب أن الأعضاء الدائمين في المجلس مطالبون بالإسهام في تمويله عبر دفع مبلغ قدره مليار دولار من كل دولة، وهو شرط عدّه مراقبون سياسياً أكثر منه إدارياً.

حضور محدود للقوى الكبرى

خلال مراسم التوقيع في دافوس تواجد ممثلون عن دول قُدمت على أنها من الأعضاء المؤسسين لمجلس السلام، إلا أنه لم يرصد وجود ممثلين عن حكومات معظم القوى العالمية الكبرى، كما غاب أي تمثيل رسمي لإسرائيل أو السلطة الفلسطينية في القاعة، رغم ارتباط المجلس المباشر بملف غزة.

دافوس شكلت مسرح الإعلان عن المجلس مستفيدة من انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي الذي يجمع نخبة القادة السياسيين والاقتصاديين من مختلف أنحاء العالم، في محاولة واضحة لإضفاء طابع دولي واسع على المبادرة منذ لحظتها الأولى.

تردد ورفض من حلفاء تقليديين

باستثناء الولايات المتحدة، لم توافق أي دولة أخرى من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي حتى الآن على الانضمام إلى مجلس السلام، وتضم هذه الدول الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، وهي القوى التي شكلت العمود الفقري للنظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

روسيا أعلنت في وقت متأخر من يوم الأربعاء أنها لا تزال تدرس الدعوة الموجهة إليها، رغم تصريح ترامب بأن موسكو قبلت الانضمام، فرنسا أعلنت رفضها الانضمام، في حين قالت بريطانيا إنها لن تنضم في الوقت الحالي، أما الصين فلم تعلن بعد موقفاً واضحاً من المشاركة.

تم إقرار إنشاء مجلس السلام عبر قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي ضمن إطار خطة ترامب للسلام في غزة، وأكد المتحدث باسم الأمم المتحدة رولاندو جوميز أن مشاركة المنظمة الدولية مع المجلس ستقتصر على هذا السياق فقط، في إشارة إلى تحفظ أممي واضح تجاه توسيع نطاق عمل المجلس خارج الملف الفلسطيني.

انضمام دول إقليمية

رغم التحفظات الغربية، أعلن نحو 35 دولة قبول الانضمام إلى المجلس، منها السعودية والإمارات ومصر وتركيا وروسيا البيضاء، ويلاحظ أن عدداً محدوداً فقط من الدول المنضمة يصنف على أنه ديمقراطي، وهو ما أثار انتقادات من منظمات وخبراء رأوا في تركيبة المجلس مؤشراً على اصطفافات سياسية أكثر من كونها توافقاً دولياً واسعاً.

كما أعلنت إسرائيل والمجر اللتان ينظر إلى قيادتيهما على أنهما من أقرب حلفاء ترامب موافقتهما على الانضمام إلى المجلس، في خطوة تعكس تقارباً سياسياً مع رؤية ترامب في السياسة الخارجية.

ميثاق المجلس يوضح أن الهدف المعلن للمجلس هو تعزيز السلام في مختلف أنحاء العالم. وقد اختار ترامب بالفعل عدداً من كبار المسؤولين الأمريكيين للانضمام إليه، إضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير الذي تواجد في دافوس خلال الإعلان.

غزة في قلب التعقيد

يبقى وقف إطلاق النار في غزة أحد أبرز الملفات التي سيواجهها المجلس، فالاتفاق الذي جرى التوصل إليه في أكتوبر الماضي تعثر على مدى أشهر وسط تبادل الاتهامات بين إسرائيل وحركة حماس بشأن المسؤولية عن موجات العنف المتكررة التي أسفرت عن مقتل مئات الفلسطينيين وعدد من الجنود الإسرائيليين.

تتهم إسرائيل حركة حماس بالمماطلة في تسليم رفات الرهائن القتلى، في حين تقول حماس إن إسرائيل واصلت تقييد دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع رغم الكارثة المستمرة، ويرفض الطرفان هذه الاتهامات المتبادلة، في ظل تدهور الوضع الإنساني بشكل متسارع.

مواقف متباينة من الأطراف

مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن قبول دعوة ترامب للانضمام إلى مجلس السلام، وفي المقابل أبدت فصائل فلسطينية تأييدها خطة ترامب ومنحت دعمها لتشكيل لجنة فلسطينية انتقالية تتولى إدارة قطاع غزة تحت إشراف المجلس، وهو مقترح يثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط الفلسطينية.

تصريحات ترامب بشأن غزة اتسمت بمبالغة واضحة حين وصف وقف إطلاق النار بأنه يرقى إلى مستوى السلام في الشرق الأوسط، وهو توصيف اعتبره محللون بعيداً عن الواقع في ظل تعقيدات الصراع القائمة.

مراحل تفاوضية شائكة

رغم تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، يفترض أن تتناول المرحلة التالية قضايا أكثر تعقيداً، مثل نزع سلاح حماس، والترتيبات الأمنية في قطاع غزة، والانسحاب الإسرائيلي في نهاية المطاف، وهي قضايا طالما أفشلت جولات تفاوض سابقة وأظهرت محدودية أي مبادرة سلام لا تحظى بتوافق إقليمي ودولي شامل.

يأتي إطلاق مجلس السلام في مرحلة يشهد فيها النظام الدولي حالة من التصدع والتنافس المتزايد بين القوى الكبرى، مع تراجع الثقة بفعالية المؤسسات متعددة الأطراف، ومنذ سنوات تواجه الأمم المتحدة انتقادات تتعلق ببطء آلياتها وعجزها عن فرض حلول حاسمة للنزاعات الكبرى، وفي هذا السياق يحاول ترامب تقديم مجلس السلام بوصفه منصة جديدة قادرة على تجاوز الجمود الدبلوماسي، إلا أن غياب توافق القوى الكبرى وتحفظ الأمم المتحدة نفسها يطرحان تساؤلات جدية حول مستقبل المجلس وقدرته الفعلية على إحداث اختراقات حقيقية في ملفات معقدة مثل غزة والنزاعات الدولية الأخرى.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية