مصر تنضم إلى مجلس السلام لغزة وسط تباينات دولية وتحفظات غربية

مصر تنضم إلى مجلس السلام لغزة وسط تباينات دولية وتحفظات غربية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي

رحّبت مصر، اليوم الأربعاء، بدعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنظيره المصري عبد الفتاح السيسي للانضمام إلى مجلس السلام الخاص بقطاع غزة، معلنة رسميا قبولها المشاركة في هذه المبادرة التي تسعى إلى إدارة المرحلة التالية للنزاع المستمر في القطاع، في خطوة تعكس انخراط القاهرة المباشر في المساعي السياسية والأمنية المطروحة لإنهاء الحرب.

وذكرت وزارة الخارجية المصرية في بيان رسمي، نقلته وكالة رويترز، أن القاهرة تدعم مهمة مجلس السلام في إطار المرحلة الثانية من الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة، مؤكدة تقديرها لما وصفته بالتزام الرئيس الأميركي بإنهاء الحرب والعمل على إحلال الأمن والسلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

دور مصري مستمر في تثبيت التهدئة

أكد البيان المصري أن القاهرة ستواصل جهودها بالتنسيق مع الولايات المتحدة والشركاء الإقليميين والدوليين لضمان تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والعمل على تسهيل دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية دون قيود، إلى جانب دعم نشر قوة الاستقرار الدولية المقترحة لضمان عدم تجدد المواجهات.

وشددت مصر على أهمية الانتقال من مرحلة التهدئة المؤقتة إلى معالجة جذرية للأزمة الإنسانية والسياسية في القطاع، بما يضمن حماية المدنيين وإعادة الحد الأدنى من الاستقرار إلى حياة السكان الذين أنهكتهم الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.

لجنة غزة والتعافي المبكر

في السياق ذاته، أكدت القاهرة ضرورة تمكين اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة من الاضطلاع بمهامها بشكل كامل، باعتبارها الإطار الإداري المحلي القادر على إدارة شؤون القطاع خلال المرحلة الانتقالية، كما شددت على أهمية البدء الفوري في مشروعات التعافي المبكر في مختلف مناطق غزة، تمهيدا لإطلاق عملية إعادة الإعمار الشاملة.

وأكدت مصر أن أي مسار سياسي أو أمني لا بد أن يقترن بخطة اقتصادية وإنسانية واضحة تعيد الحياة إلى القطاع، وتمنح الفلسطينيين فرصة حقيقية للعيش بكرامة بعد سنوات طويلة من الحصار والدمار.

السلام العادل والدولة الفلسطينية

وجددت القاهرة موقفها الثابت بضرورة الدفع نحو مسار سياسي يحقق السلام العادل والدائم، ويكفل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، معتبرة أن تحقيق هذا الهدف يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الأمن والاستقرار لجميع دول وشعوب المنطقة.

وأشارت إلى أن أي ترتيبات أمنية أو إدارية في قطاع غزة يجب أن تكون جزءا من رؤية أشمل تعالج جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولا تقتصر على إدارة الأزمة دون حلها.

موافقة إسرائيلية 

وفي وقت سابق من اليوم، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موافقته على تلبية دعوة الرئيس الأمريكي للانضمام إلى مجلس السلام، وأفاد مكتب نتنياهو في بيان مقتضب بأن رئيس الحكومة الإسرائيلية قبل الدعوة للانضمام بصفة عضو إلى المجلس الذي من المقرر أن يضم قادة من دول عدة حول العالم.

وتأتي الموافقة الإسرائيلية في ظل سعي تل أبيب إلى الحفاظ على دور فاعل في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بغزة، خصوصا في ما يتعلق بالملف الأمني ومنع عودة حركة حماس إلى السيطرة على القطاع.

موقف نرويجي رافض

في المقابل، أعلنت النرويج رفضها الانضمام إلى مجلس السلام، وفق ما أفاد مكتب رئيس الوزراء النرويجي، وأوضح وزير الدولة في مكتب رئاسة الوزراء كريستوفر ثونر أن المقترح الأمريكي يثير تساؤلات جوهرية تتطلب حوارا أعمق مع واشنطن قبل اتخاذ أي قرار.

وأكد المسؤول النرويجي أن بلاده لن تنضم إلى الترتيبات المقترحة ولن تشارك في مراسم التوقيع المقررة في مدينة دافوس السويسرية، مع التشديد في الوقت ذاته على استمرار التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة في ملفات أخرى.

وأوضح ثونر أن النرويج تحتاج إلى فهم أوضح لكيفية ارتباط مجلس السلام المقترح بالبنى الدولية القائمة، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، ومدى انسجامه مع التزامات النرويج الدولية.

نوبل والسلام والخلاف السياسي

وأشار ممثل الحكومة النرويجية إلى أن بلاده تشاطر الولايات المتحدة هدف تحقيق السلام الدائم في غزة وأوكرانيا ومناطق أخرى، إلا أن ذلك لا يعني القبول بأي إطار جديد دون وضوح قانوني ومؤسسي.

وتأتي هذه التحفظات في ظل توتر ملحوظ في العلاقات، بعد تصريحات متكررة لترامب أبدى فيها استياءه من عدم حصوله على جائزة نوبل للسلام، والتي ذهبت العام الماضي إلى زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو.

وكان ترامب قد بعث برسالة إلى رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور، أوضح فيها أنه لم يعد يشعر بالالتزام بالعمل من أجل السلام فقط بعد حرمانه من الجائزة، وهو ما رد عليه ستور بالتأكيد على أن الجائزة تمنحها لجنة نوبل المستقلة بعيدا عن قرارات الحكومة النرويجية.

إيطاليا والسويد خارج المبادرة

وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة كورييري ديلا سيرا أن إيطاليا لن تشارك في مبادرة مجلس السلام، مشيرة إلى مخاوف قانونية تتعلق بإمكانية تعارض الانضمام إلى كيان يقوده زعيم دولة واحدة مع الدستور الإيطالي.

ونقلت وكالة رويترز عن مصدر مطلع أن من غير المرجح أن تتوجه رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني إلى دافوس للمشاركة في مراسم الإعلان عن المجلس، رغم علاقاتها الجيدة مع ترامب وانتمائها إلى التيار اليميني.

كما أعلن رئيس الوزراء السويدي أولاف كريسترسون، يوم الأربعاء، أن بلاده لا تنوي المشاركة في مبادرة "مجلس السلام" التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بصيغتها الحالية.

وفي حديثه في دافوس، أشار كريسترسون إلى أن السويد ترفض الخطة بصيغتها الراهنة، دون أن يوضح ما إذا كانت ستوافق على النظر في الانضمام إليها مستقبلاً في حال إجراء تعديلات عليها.

 فرنسا وبريطانيا

وفي وقت سابق، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الثلاثاء بأن فرنسا لن تشارك في المنظمة، مؤكدا أن ميثاق المجلس يتعارض مع خطة العمل الخاصة بغزة، ويُثير تساؤلات حول احترام مبادئ الأمم المتحدة.

كما صرّح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بأن بلاده لن تنضم إلى مجلس الأمن "في ظل الظروف الراهنة".

وأعرب ستارمر عن قلقه إزاء دعوة ترامب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو إلى المجلس، مؤكداً أن "التزام بريطانيا تجاه الأمم المتحدة ثابت لا يتزعزع".

تحفظات غربية أوسع

وأثارت مبادرة مجلس السلام منذ الإعلان عنها ردود فعل حذرة من عدد من الحلفاء الغربيين للولايات المتحدة، حيث أعرب دبلوماسيون عن مخاوف من أن يؤدي إنشاء كيان جديد بصلاحيات واسعة إلى تقويض دور الأمم المتحدة والأطر الدولية القائمة في إدارة النزاعات.

وكان المجلس قد صمم في الأصل للإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة، غير أن مسودة الميثاق التي قدمتها الإدارة الأميركية أظهرت أن نطاق عمله قد يتجاوز الأراضي الفلسطينية ليشمل مناطق نزاع أخرى حول العالم.

التمويل والعضوية

وطلبت الإدارة الأمريكية من الدول الراغبة في الانضمام دفع ما يصل إلى مليار دولار مقابل الحصول على مقعد دائم في المجلس، الذي سيترأسه ترامب شخصيا، وأعلنت عشرات الدول وقادة من مختلف أنحاء العالم أنهم تلقوا دعوات رسمية للمشاركة، من بينهم حلفاء مقربون من واشنطن إلى جانب دول على خلاف سياسي معها.

صلاحيات واسعة وطموحات عالمية

وينص الميثاق المقترح على أن المجلس يهدف إلى تعزيز الاستقرار واستعادة الحوكمة القانونية الموثوقة وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات المسلحة، ما يعكس طموحا لتوسيع دور المجلس إلى ما هو أبعد من غزة.

يأتي إطلاق مجلس السلام في ظل تحولات عميقة تشهدها الساحة الدولية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى لعب دور مركزي في إدارة النزاعات الكبرى خارج الأطر التقليدية، وتعد أزمة غزة واحدة من أعقد الملفات المطروحة، نظرا لتشابك أبعادها الإنسانية والسياسية والأمنية، وبينما ترى بعض الدول في المبادرة الأمريكية فرصة لإعادة تحريك مسار السلام وإعادة الإعمار، تخشى دول أخرى من أن يؤدي إنشاء كيان جديد بصلاحيات واسعة إلى إضعاف النظام الدولي القائم وتقويض دور الأمم المتحدة، وفي هذا السياق، يعكس الترحيب المصري بالمبادرة رغبة في التأثير المباشر على مستقبل غزة، في حين تكشف المواقف الأوروبية المتحفظة عن انقسام دولي متزايد حول أفضل السبل لإدارة الأزمات العالمية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية