بين الحرب والشفاء والتعليم.. سكان غزة يترقبون فتح معبر رفح وعودة الحياة
بين الحرب والشفاء والتعليم.. سكان غزة يترقبون فتح معبر رفح وعودة الحياة
بقلوب مثقلة بالانتظار، يترقب سكان قطاع غزة إعلان موعد فتح معبر رفح الحدودي مع مصر، المنفذ الوحيد المتبقي أمامهم إلى العالم الخارجي بعد أشهر طويلة من الحرب والحصار، وبالنسبة لآلاف العائلات، لا يمثل المعبر مجرد بوابة سفر، بل أملا مؤجلا للقاء الأحبة، وفرصة للعلاج، وطريقا وحيدا لمستقبل تعليمي حُرم منه جيل كامل بفعل القصف والدمار.
وتأتي هذه الترقبات في ظل الحديث عن إعادة فتح المعبر أمام حركة المشاة، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي ترعاه الولايات المتحدة، وذلك عقب استعادة رفات ران غفيلي آخر رهينة كان محتجزا في قطاع غزة، ووفق ما نقلته وكالة فرانس برس الثلاثاء عن مصادر فلسطينية، فإن التقديرات تشير إلى إمكانية فتح المعبر بالاتجاهين مع نهاية الأسبوع الجاري أو مطلع الأسبوع المقبل.
أمل مؤجل ولم شمل غائب
بالنسبة لمحمود الناطور البالغ من العمر 48 عاما، والمقيم في مدينة غزة، فإن فتح معبر رفح يعني عودة الروح إلى حياة توقفت منذ عامين، يقول إن زوجته وأطفاله غادروا القطاع في بداية الحرب، بينما مُنع هو من السفر وبقي وحيدا وسط الدمار، ويصف شعوره بالإحباط واليأس، مؤكدا أن أكثر ما يؤلمه هو مرور السنوات وأطفاله يكبرون بعيدا عنه، في عزلة قسرية تشبه الكابوس الذي لا يستطيع الإفاقة منه.
هذه المشاعر تتكرر لدى آلاف الغزيين الذين فرقتهم الحرب عن عائلاتهم، وأصبح المعبر بالنسبة لهم رمزا للخلاص من عزلة فرضها الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ عام 2007، والذي اشتد بعد سيطرة إسرائيل على الجانب الفلسطيني من معبر رفح مع اندلاع الحرب الأخيرة.
شريان الحياة للمرضى والجرحى
إلى جانب لم الشمل، يمثل معبر رفح شريان الحياة لآلاف المرضى والمصابين الذين ينتظرون السفر للعلاج في الخارج، وتصف رندة سميح البالغة من العمر 48 عاما، نازحة من شمال مدينة غزة، المعبر بأنه الأمل الوحيد بعد إصابتها بكسر في الظهر خلال الحرب، فمنذ أكثر من عام ونصف العام، تنتظر تصريحا للسفر، دون أن تتمكن المستشفيات المحلية من علاجها بسبب نقص الإمكانيات والضغط الهائل على الطواقم الطبية.
وتقول إن الأخبار المتداولة حول فتح المعبر لا تزال غير مطمئنة، خاصة في ظل وجود عشرات آلاف الإصابات التي تفوق حالتها خطورة، وتضيف أنها مستعدة للسفر على نفقتها الخاصة إلى مصر للعلاج فور فتح المعبر، دون انتظار دورها، في ظل تدهور أوضاعها الصحية.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن نحو 20 ألف مريض لديهم تحويلات طبية مكتملة وينتظرون السماح لهم بالسفر للعلاج في الخارج، في وقت تحذر فيه منظمات إنسانية من تفاقم الكارثة الصحية في القطاع.
آلية السفر وترتيبات أولية
وفق تصريحات مسؤولين فلسطينيين، ستتولى اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة إرسال قوائم المسافرين إلى السلطات الإسرائيلية عبر السلطة الفلسطينية وبعثة المراقبين، ومن المتوقع أن يُخصص السفر في الأسابيع الأولى للمرضى والمصابين، والطلبة الحاصلين على قبول جامعي وتأشيرات، إضافة إلى حاملي الجنسية المصرية والجنسيات أو الإقامات الأجنبية الأخرى.
كما أشار أحد أعضاء اللجنة إلى أنه سيتم السماح تدريجيا بعودة المرضى والمصابين الذين أنهوا علاجهم في مشافٍ عربية وأجنبية، إلى جانب مرافقيهم، مع إخضاعهم لإجراءات فحص إسرائيلية مشددة.
شباب على أحر من الجمر
الانتظار لا يقتصر على المرضى، بل يمتد إلى جيل شاب يرى في فتح المعبر فرصة لاستعادة مستقبله، محمد خالد، شاب يبلغ من العمر 18 عاما من مدينة غزة، يقول إنه ينتظر على أحر من الجمر لحظة السفر، لأنها تعني بالنسبة له العودة إلى الحياة، لم يرَ والدته وأخواته منذ عامين، بعد أن سافرن للعلاج وبقي هو مع والده داخل القطاع.
أصيب محمد بشظايا خلال الحرب، ولم تتمكن الطواقم الطبية من إخراجها بسبب شح الإمكانيات، ويروي كيف عاش مع والده لحظات عجز قاسية حين مرت والدته بمرحلة علاج صعبة في الخارج دون أن يكونا إلى جانبها.
أحلام التعليم خلف المعبر
غرام الجملة، شابة نازحة تبلغ من العمر 18 عاما وتعيش في خيمة بمنطقة المواصي في خانيونس، ترى أن أحلامها كلها تقف خلف بوابة معبر رفح، تقدمت لعدة منح لدراسة الصحافة باللغة الإنجليزية في تركيا، وحصلت على موافقات مبدئية من جامعتين.
تقول إن الحرب اندلعت وهي في الصف الأول الثانوي، لكنها أصرت على الدراسة في أقسى الظروف، وتخرجت بتقدير ممتاز، حلمها بأن تصبح صحافية لم ينطفئ رغم النزوح والحرمان، وتنتظر اليوم الذي تعبر فيه المعبر لتبدأ أول يوم لها في الجامعة، معتبرة أن التعليم هو طريقها الوحيد للخروج من دائرة الحرب.
هدنة هشة وانتظار طويل
ورغم سريان وقف إطلاق النار في قطاع غزة منذ 10 أكتوبر، لا تزال الأوضاع الإنسانية بالغة الصعوبة، ودخول المساعدات ظل مقيدا، واستمرت حوادث القتل، مع تبادل إسرائيل وحركة حماس الاتهامات بخرق الهدنة. هذا الواقع يجعل فتح معبر رفح مسألة ملحة تتجاوز السياسة، لتلامس جوهر الحياة اليومية لملايين البشر.
يعد معبر رفح الحدودي المنفذ الوحيد لقطاع غزة غير الخاضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة، ويشكل بوابة أساسية لسفر الأفراد ودخول المساعدات الإنسانية، ومنذ فرض الحصار على القطاع عام 2007، أصبح المعبر شريانا حيويا لسكان غزة، خاصة المرضى والطلبة.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة، أُغلق المعبر بشكل شبه كامل بعد سيطرة إسرائيل على جانبه الفلسطيني، ما فاقم الأزمة الإنسانية وأدى إلى عزل القطاع عن العالم الخارجي، وتؤكد الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة أن إعادة فتح المعبر بشكل منتظم وآمن تمثل خطوة أساسية للتخفيف من معاناة السكان، ودعم جهود التعافي الصحي والإنساني، وإعادة ربط غزة بمحيطها الإقليمي والدولي.










