"NBC News" تشكك في رؤية كوشنر لإعمار غزة وتصفها بغير الواقعية

"NBC News" تشكك في رؤية كوشنر لإعمار غزة وتصفها بغير الواقعية
قطاع غزة

تثير الخطة التي يُروِّج لها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحت مسمى غزة الجديدة، جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية الدولية، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى واقعيتها وإمكانية تطبيقها على الأرض، فبينما يتم تسويق الخطة باعتبارها رؤية لإعادة إعمار القطاع وتحويله إلى منطقة مزدهرة اقتصاديا، يرى مراقبون أن هذه الطروحات تتجاهل تعقيدات الواقع السياسي والأمني والإنساني الذي يعيشه قطاع غزة منذ سنوات طويلة.

بحسب تقرير مطول نشرته شبكة NBC News الأمريكية، الأحد، فإن الخطة المقترحة تعاني من انفصال واضح عن الحقائق الميدانية في غزة، وتصطدم بشكل مباشر باستمرار الاحتلال الإسرائيلي والحصار المفروض على القطاع، واعتبرت الشبكة أن أي حديث عن مشاريع تنموية كبرى أو إعادة إعمار شاملة يفتقر إلى الأسس الواقعية، في ظل غياب الظروف السياسية والأمنية اللازمة لتنفيذ مثل هذه الرؤى.

دمار واسع ومعاناة إنسانية

وأوضح التقرير أن قطاع غزة يعيش أوضاعا إنسانية شديدة القسوة بعد أكثر من عامين من الغارات الإسرائيلية المتواصلة، التي خلّفت دمارا هائلا في المباني السكنية والمنشآت الحيوية، ويعيش مئات الآلاف من الفلسطينيين في خيام ومراكز إيواء مؤقتة، وسط نقص حاد في المياه الصالحة للشرب، وانهيار شبه كامل في شبكات الكهرباء والصرف الصحي والخدمات الصحية والتعليمية، ما يجعل الحديث عن مشاريع استثمارية كبرى منفصلا عن الأولويات الإنسانية الملحة.

وأشار تقرير NBC News إلى أن الخطة الأمريكية لا تأخذ في الحسبان حقيقة السيطرة الإسرائيلية المستمرة على مساحات واسعة من قطاع غزة، إذ تسيطر قوات الاحتلال على ما يقارب نصف مساحة القطاع، ولفت التقرير إلى أن هذه السيطرة العسكرية تجعل تنفيذ أي مشاريع عمرانية أو اقتصادية واسعة النطاق أمرا شبه مستحيل، في ظل غياب السيادة الفلسطينية واستمرار القيود الأمنية والعسكرية المفروضة على الأرض.

ميناء ومطار في ظل الحصار

ومن بين أبرز بنود مخطط غزة الجديدة، إنشاء ميناء بحري ومطار دولي جديدين، وهي أفكار وصفتها الشبكة الأمريكية بأنها شديدة التعقيد وغير قابلة للتنفيذ في الظروف الراهنة، وأوضحت أن الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ سنوات يمنع بشكل متكرر إدخال مواد البناء والمعدات الثقيلة اللازمة لإعادة الإعمار، فضلا عن القيود الصارمة المفروضة على حركة الأفراد والبضائع من وإلى القطاع.

وفي السياق ذاته، نقل التقرير عن المحامية الدولية والخبيرة في حل النزاعات نومي بار يعقوب وصفها للمفهوم الأولي للخطة بأنه غير واقعي على الإطلاق، واعتبرت يعقوب أن الطرح يعكس طريقة تفكير دونالد ترامب وفريقه تجاه غزة من منظور استثماري وعقاري بحت، لا من زاوية سياسية تسعى لمعالجة جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو تحقيق تسوية عادلة ومستدامة.

مخاوف أمنية إسرائيلية

وأضافت يعقوب أن فكرة تشييد عدد كبير من الأبراج السكنية الشاهقة داخل قطاع غزة من غير المرجح أن تحظى بموافقة إسرائيل، وأشارت إلى أن المباني المرتفعة ستوفر إشرافا مباشرا على القواعد العسكرية الإسرائيلية المحاذية للقطاع، وهو ما تعتبره تل أبيب تهديدا أمنيا مباشرا، ما يجعل هذه المشاريع عرضة للرفض أو الاستهداف في أي وقت.

وخلص تقرير NBC News إلى أن تجاهل الواقع السياسي والأمني والإنساني في غزة، والاكتفاء بطرح تصورات نظرية لإعادة الإعمار، يعكس فجوة عميقة بين الخطط الأمريكية المعلنة والحقائق القائمة على الأرض، واعتبرت الشبكة أن هذه الفجوة تقوض أي فرص حقيقية لتحويل الأفكار المطروحة إلى مشاريع قابلة للحياة، في وقت يحتاج فيه سكان القطاع إلى حلول عاجلة وملموسة تخفف من معاناتهم اليومية.

سكان يدفعون الثمن

وفي مقابل هذه الطروحات النظرية، يواصل سكان قطاع غزة دفع ثمن الحرب والحصار، حيث يواجهون ظروفا معيشية قاسية، وفقدانا للأمن والاستقرار، وغيابا شبه كامل للأفق السياسي، ويؤكد التقرير أن أي خطة لإعادة إعمار غزة لا يمكن أن تنجح دون معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، وعلى رأسها إنهاء الاحتلال ورفع الحصار وضمان حرية الحركة وإعادة الإعمار دون قيود.

غياب الأفق السياسي

ويرى محللون أن طرح خطط اقتصادية كبرى دون وجود حل سياسي شامل يعيد إنتاج الأزمات بدلا من حلها، فإعادة الإعمار، وفق هذه الرؤية، لا يمكن فصلها عن الحقوق السياسية للفلسطينيين، ولا عن ضرورة توفير بيئة آمنة ومستقرة تضمن استدامة أي مشاريع مستقبلية، وهو ما تغفله خطة غزة الجديدة كما عرضتها الإدارة الأمريكية.

يخضع قطاع غزة لحصار إسرائيلي مشدد منذ أكثر من 15 عاما، رافقته جولات متكررة من التصعيد العسكري، أسفرت عن دمار واسع في البنية التحتية وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، ورغم تعهدات دولية متكررة بإعادة الإعمار، واجهت هذه الجهود عقبات كبيرة بسبب القيود الإسرائيلية والانقسام السياسي الفلسطيني ونقص التمويل، وفي هذا السياق، تثار بين الحين والآخر مبادرات دولية لإعادة إعمار القطاع، إلا أن معظمها يصطدم بالواقع السياسي والأمني المعقد.

 وتؤكد تقارير أممية وحقوقية أن أي خطة لإعادة إعمار غزة لا يمكن أن تنجح بمعزل عن حل سياسي عادل وشامل يضمن إنهاء الاحتلال ورفع الحصار وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار لسكان القطاع الذين يعيشون واحدة من أصعب الأزمات الإنسانية في العالم.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية