إغلاق المعابر يضاعف المأساة الإنسانية لـ18500 مريض وجريح في غزة
إغلاق المعابر يضاعف المأساة الإنسانية لـ18500 مريض وجريح في غزة
في قطاع غزة، حيث تتداخل أصوات القصف مع أنين المرضى والجوعى، تتسارع وتيرة الانهيار الإنساني بشكل ينذر بكارثة غير مسبوقة، فمع استمرار إغلاق معبر رفح البري ومنع إدخال المساعدات الإنسانية الأساسية، تتفاقم معاناة السكان يوما بعد يوم، في ظل عجز المنظومة الصحية عن الصمود، وانعدام البدائل أمام آلاف المرضى والجرحى الذين باتت حياتهم معلقة على فتح معبر أو وصول شحنة أدوية.
في هذا السياق، أطلق رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أمجد الشوا تحذيرا شديد اللهجة من التدهور المتسارع في الأوضاع الإنسانية داخل قطاع غزة، مؤكدا أن استمرار إغلاق المعابر يشكل تهديدا مباشرا لحياة السكان، ولا سيما المرضى والجرحى الذين يحتاجون إلى علاج عاجل خارج القطاع، وبحسب المركز الفلسطيني للإعلام، جاءت تصريحات الشوا، السبت، في ظل معطيات ميدانية وصحية خطيرة تعكس عمق الأزمة الإنسانية.
مرضى ينتظرون الخروج
يؤكد الشوا أن ما لا يقل عن 18500 مريض وجريح بحاجة إلى تحويل فوري لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، في وقت يعاني فيه النظام الصحي من انهيار شبه كامل نتيجة القصف المتواصل، واستهداف المرافق الطبية، والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وهذا الرقم لا يمثل مجرد إحصائية، بل يعكس آلاف القصص الإنسانية لأشخاص تتدهور حالتهم الصحية يوميا دون قدرة الأطباء على تقديم الحد الأدنى من الرعاية اللازمة.
ويشير إلى أن المستشفيات العاملة بالكاد تستطيع التعامل مع الحالات الطارئة، في ظل توقف عدد كبير من المرافق الصحية عن العمل، إما بسبب التدمير المباشر أو نفاد الوقود والمستلزمات. ومع غياب إمكانية السفر للعلاج، تتحول الأمراض المزمنة والإصابات الخطيرة إلى أحكام موت مؤجلة.
نداء للمجتمع الدولي
ودعا الشوا المبعوثين الأمريكيين إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى ممارسة ضغوط عاجلة من أجل فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية دون قيود. وأوضح أن نحو 90 في المئة من سكان قطاع غزة باتوا يعتمدون بشكل كلي على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية من غذاء ومياه وأدوية.
ويرى أن استمرار إغلاق المعابر لا يفاقم فقط من المعاناة الإنسانية، بل يدفع المجتمع بأكمله نحو الانهيار، حيث تفقد العائلات قدرتها على تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، ويصبح الاعتماد على المساعدات مسألة بقاء لا خيارا مؤقتا.
أطفال في مواجهة البرد والجوع
لم تقتصر تداعيات الأزمة على المرضى والجرحى، بل امتدت بشكل خاص إلى الأطفال، الذين يدفعون ثمنا باهظا للظروف المعيشية القاسية، ويؤكد الشوا أن غياب وسائل التدفئة والمأوى، إلى جانب نقص الغذاء، أدى إلى إصابة عدد كبير من الأطفال بأمراض مرتبطة بالبرد وسوء التغذية، مع تسجيل حالات وفاة خلال الأسابيع الماضية.
هذه الوقائع تعكس هشاشة الوضع الإنساني، حيث يواجه الأطفال مخاطر صحية مضاعفة في ظل انعدام الرعاية الصحية الكافية، وغياب البيئات الآمنة، واستمرار النزوح الداخلي الذي يحرمهم من الاستقرار والحد الأدنى من الحياة الكريمة.
تمدد عسكري وتضييق المساحة
على الصعيد الميداني، أشار الشوا إلى أن قوات الجيش الإسرائيلي تجاوزت ما يعرف بالخط الأصفر، ووسعت انتشارها داخل قطاع غزة، في خرق واضح للترتيبات القائمة، وبيّن أن نسبة المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيلية ارتفعت من نحو 53 في المئة قبل سريان وقف إطلاق النار إلى أكثر من 60 في المئة حاليا، في ظل تمدد عسكري متواصل يضيّق الخناق على السكان ويحد من قدرتهم على الحركة والوصول إلى الخدمات.
هذا التوسع العسكري يفاقم من الأزمة الإنسانية، إذ يؤدي إلى تقليص المساحات الآمنة، ويعرقل وصول المساعدات، ويزيد من أعداد النازحين الذين يفقدون منازلهم ومصادر رزقهم.
معبر رفح في قلب الأزمة
وكانت إسرائيل قد سيطرت في مايو 2024 على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، ضمن حرب واسعة على قطاع غزة بدأت في 7 أكتوبر 2023، وهذه السيطرة شكّلت نقطة تحول خطيرة في مسار الأزمة الإنسانية، إذ أدى إغلاق المعبر إلى شلل شبه كامل في حركة الأفراد والبضائع، وقطع شريان الحياة الوحيد لسكان القطاع نحو العالم الخارجي.
وأسفرت الحرب عن دمار واسع في البنية التحتية، بما في ذلك مرافق الصحة والمياه والكهرباء، ما جعل إعادة تشغيل أي منظومة خدمية مهمة شبه مستحيلة في ظل استمرار القيود المفروضة على إدخال المواد الأساسية.
وقف إطلاق نار هش
ورغم بدء مرحلة أولى من وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي، استنادا إلى خطة أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى هشاشة هذا الاتفاق، فقد واصلت إسرائيل خرقه بشكل شبه يومي، ما أدى وفق مصادر طبية فلسطينية إلى استشهاد 477 فلسطينيا وإصابة 1301 آخرين منذ بدء سريانه.
هذه الخروقات المتكررة تقوض أي أمل في تحسن سريع للأوضاع الإنسانية، وتزيد من حالة انعدام الثقة لدى السكان، الذين يرون أن وقف إطلاق النار لم يترجم إلى تحسن فعلي في حياتهم اليومية.
تحذيرات أممية متطابقة
تتطابق تحذيرات الشوا مع تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية، التي أكدت أن النظام الصحي في غزة يعمل بأقل من 30 في المئة من طاقته، وأشارت المنظمة إلى أن آلاف المرضى، ولا سيما مرضى السرطان والفشل الكلوي وأصحاب الإصابات البالغة، يواجهون خطر الموت بسبب منعهم من السفر لتلقي العلاج اللازم.
من جانبها، حذّرت منظمة أطباء بلا حدود من أن القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال الغذاء والأدوية ومواد الإيواء أدت إلى ارتفاع حاد في معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والحوامل، ووصفت المنظمة ما يجري في غزة بأنه ليس مجرد أزمة إنسانية، بل فشلا أخلاقيا وإنسانيا ممنهجا.
يعيش في قطاع غزة نحو 2.4 مليون فلسطيني في ظروف توصف بأنها الأسوأ منذ عقود، في ظل حصار خانق مستمر منذ سنوات، تفاقم بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، ويعتمد القطاع بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية لتوفير الغذاء والدواء والوقود، بينما تعاني شبكات المياه والصرف الصحي من أضرار جسيمة، ما يهدد بانتشار الأوبئة والأمراض.
وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار إغلاق المعابر ومنع تدفق المساعدات سيقود إلى كارثة إنسانية شاملة، تتجاوز في آثارها حدود غزة، وتترك جروحا عميقة في نسيج المجتمع الفلسطيني، خاصة بين الأطفال والشباب الذين يكبرون في بيئة تحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.










