حملة "تفتيش عقائدي".. طالبان تفصل عشرات أساتذة الجامعات في أفغانستان

حملة "تفتيش عقائدي".. طالبان تفصل عشرات أساتذة الجامعات في أفغانستان
جامعة أفغانية- أرشيف

كشفت معطيات موثوقة عن إقدام وزارة التعليم العالي التابعة لحركة طالبان خلال الأشهر الماضية على فصل عشرات الأساتذة من الجامعات الحكومية، على خلفية ما وُصف بعدم انسجامهم مع التوجهات الفكرية والعقائدية التي تفرضها الحركة على مؤسسات التعليم العالي. 

وذكرت شبكة "أفغانستان إنترناشيونال"، اليوم الأربعاء، أنها حصلت على قائمة تضم أسماء 86 أستاذًا جامعيًا أُنهيت خدماتهم خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية.

وأظهرت القائمة أن غالبية الأساتذة المفصولين ينتمون إلى كليات الشريعة والتخصصات الدينية، ولا سيما أقسام العلوم الدينية، والثقافة الإسلامية، والتربية. 

ووفق المعلومات، كان هؤلاء يعملون في جامعات موزعة على عدد كبير من الولايات، من بينها جامعات كابل، وننغرهار، وبلخ، وتخار، وشيخ زايد في خوست، وفارياب، وبدخشان، وجوزجان، وبغلان، وبولي تخنيك كابل، وفراه، والبيروني في كابيسا، إضافة إلى هرات وغور وسيد جمال الدين في كونر.

فصل خارج الأطر الأكاديمية

أكدت مصادر مطلعة داخل وزارة التعليم العالي التابعة لطالبان صحة القائمة، مشيرة إلى أن قرارات الفصل نُفذت دون الالتزام بالإجراءات الإدارية والعلمية المعمول بها سابقًا في الجامعات الأفغانية. 

وبحسب هذه المصادر، لم تُعرض ملفات الأساتذة على المجالس العلمية المختصة، كما لم تُمنح لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم أو الطعن في القرارات.

وفي تعبير لافت عن حجم الصدمة، كتب أحد الأساتذة المفصولين، الذي تحققت “أفغانستان إنترناشيونال” من هويته، منشورًا على حسابه في فيسبوك باسم مستعار قال فيه: “اليوم، وبعد أكثر من عقد من الخدمة في الوسط الأكاديمي، أودّع زملائي وطلابي بقلب حزين مما لحق بنا من ظلم”. 

وأضاف: “أشكو ظلمهم إلى الله السميع البصير، فهو خير من يحاسب الظالمين”.

استهداف أساتذة الشريعة

أشارت مصادر أكاديمية إلى أن تركيز حملة الفصل على كليات الشريعة لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة ما سُمّي داخل الوزارة بـ”التفتيش العقائدي”. 

وذكرت أن لجنة خاصة تحمل اسم “عبد الله بن مسعود” شُكّلت ضمن وزارة التعليم العالي، وتولت مراجعة المؤهلات العلمية، والسجل التدريسي، والتوجهات الفكرية للأساتذة.

وبحسب المصادر، تقوم اللجنة برفع أسماء الأساتذة الذين لا تتطابق مرجعياتهم الفكرية مع تفسير طالبان للدين، إلى قيادة الوزارة لاتخاذ قرار فصلهم، كما انصبت أعمال اللجنة على مراجعة شاملة للمناهج الجامعية، انتهت بإدراج عدد كبير من المقررات ضمن "قائمة المواد المحظورة".

وشملت المواد التي جرى حذفها مساقات مثل الحوكمة، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والمجتمع المدني، إضافة إلى الأفكار السياسية الغربية، بدعوى أنها “غير متوافقة مع الإسلام”. كما أُلغيت أقسام جامعية كاملة، في سابقة غير معهودة في تاريخ التعليم العالي الأفغاني.

إعادة هندسة التعليم

في مرحلة لاحقة، أجرت اللجنة اختبارات مبسطة لمقاتلي طالبان وبعض رجال الدين التابعين لها، ومنحت عددًا كبيرًا منهم شهادات الليسانس والماجستير، وفق مصادر أكاديمية. 

وبالتوازي مع ذلك، بات استمرار عمل الأساتذة في كليات الشريعة مرهونًا بمدى ولائهم الفكري وتبنيهم تفسير طالبان للشريعة.

وأفادت تقارير سابقة بفصل أساتذة في ولايتي كونر وننغرهار، بسبب اتهامهم باعتناق قراءات سلفية أو وهابية لا تنسجم مع توجه طالبان، فيما أُقصي أساتذة في ولاية بلخ بسبب ميولهم الصوفية والعرفانية، كما جرى فصل أساتذة أكملوا دراساتهم في دول ذات أنظمة علمانية، بحجة “ضعف الكفاية في العلوم الإسلامية”.

أهداف طالبان وتداعياتها

أوضح أساتذة جامعيون أن طالبان تسعى من هذه الإجراءات إلى تحقيق هدفين رئيسيين، أولهما إفساح المجال أمام عناصرها لشغل المناصب الأكاديمية والإدارية، بعد أن منحت خلال السنوات الأربع الماضية شهادات أكاديمية لعشرات من أعضائها، أما الهدف الثاني فيتمثل في توجيه الفكر الجامعي ومواءمته مع رؤيتها الأيديولوجية.

وحذّر أكاديميون من تداعيات هذه السياسات، مؤكدين أنها تهدد بتحويل التعليم العالي في أفغانستان إلى نظام أيديولوجي مغلق، بعيد عن المعايير الأكاديمية الدولية. 

كما أشاروا إلى أن فصل الأساتذة دون مسار قانوني يعرّض الاعتراف الدولي بالشهادات الأفغانية لخطر حقيقي، ويقوّض ما تبقى من استقلالية الجامعات.

ويجمع الأساتذة اليوم على أن الحصانة المهنية التي كانت تحمي حرية الرأي الأكاديمي قد تلاشت، في ظل هيمنة الولاء السياسي والفكري على قرارات التعيين والفصل، ما ينذر بمستقبل قاتم للتعليم العالي في أفغانستان.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية