تقرير حقوقي دولي يوثّق جرائم حرب وتجويع وتهجير في غزة والضفة الغربية

تقرير حقوقي دولي يوثّق جرائم حرب وتجويع وتهجير في غزة والضفة الغربية
انتشال جثمان طفلة من بين الأنقاض في غزة

أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي 2026 الصادر اليوم الأربعاء بأن القوات الإسرائيلية صعّدت خلال عام 2025 من انتهاكاتها الجسيمة بحق الفلسطينيين إلى مستويات غير مسبوقة شملت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأفعالا ترقى إلى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. 

وأكد التقرير -اطلعت عليه جسور بوست- أن هذه الممارسات اتسمت بالقتل والتشويه والتجويع والتهجير القسري والتدمير الواسع للمنازل والبنية التحتية المدنية في غزة والضفة الغربية في سياق وصفته المنظمة بأنه الأكثر دموية في التاريخ الحديث للنزاع.

وقالت المنظمة الحقوقية الدولية في التقرير إن الحملة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة أسفرت عن استشهاد أكثر من 69 ألف فلسطيني بينهم أكثر من 19 ألف طفل وفقا لوزارة الصحة في غزة في حصيلة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي عاشها السكان المدنيون طوال عام 2025.

حصيلة ثقيلة ووقف نار هش

أشار التقرير إلى أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية في شهر أكتوبر الماضي أسفر عن الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين الأحياء المتبقين في غزة إلى جانب إطلاق سراح مئات الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية غالبيتهم دون محاكمة أو تهم رسمية، غير أن المنظمة أكدت أن هذا الاتفاق لم يضع حدا للانتهاكات الجسيمة المستمرة بحق الفلسطينيين بما في ذلك ما وصفته بجريمتي الفصل العنصري والاضطهاد الممنهج.

وقال آدم كوغل، نائب مديرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في هيومن رايتس ووتش، إن النظام الدولي القائم على القواعد الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية يتعرض لهجوم مباشر في ظل المذابح والدمار في قطاع غزة، مضيفا أن وقف إطلاق النار لم ينهِ الجرائم الإسرائيلية ولا ينبغي أن يكون ذريعة لتقاعس الدول الأخرى عن اتخاذ خطوات عاجلة لضمان المساءلة والعدالة.

التجويع كسلاح حرب

خصص التقرير حيزا واسعا لتوثيق استخدام السلطات الإسرائيلية سياسة التجويع كسلاح حرب في قطاع غزة، وأوضح أن إسرائيل فرضت حصارا كاملا لأكثر من 11 أسبوعا، ومنعت خلاله دخول الغذاء والدواء والوقود كما فرضت في فترات أخرى قيودا صارمة على إيصال المساعدات الإنسانية وحرمت السكان من الكهرباء والمياه بشكل كافٍ.

وفي شهر أغسطس أعلن خبراء دوليون بارزون في مجال الأمن الغذائي حدوث مجاعة فعلية في مدينة غزة والمناطق المحيطة بها في مؤشر خطير على حجم الانهيار الإنساني الذي وصل إليه القطاع نتيجة العمليات العسكرية والحصار.

هجمات متجددة واستهداف المدنيين

ذكر التقرير أنه في شهر مايو جددت القوات الإسرائيلية هجومها الواسع على غزة ما أدى إلى تدمير معظم ما تبقى من البنية التحتية المدنية، وأفاد بأن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على مئات الفلسطينيين الذين كانوا يحاولون الوصول إلى مساعدات غذائية في مواقع التوزيع أو بالقرب منها ضمن نظام لتوزيع المساعدات تدعمه الولايات المتحدة وتديره شركات خاصة تحت إشراف مؤسسة غزة الإنسانية.

وأكدت المنظمة أن استهداف المدنيين في سياق السعي للحصول على الغذاء يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني ويعكس نمطا متكررا من استخدام القوة المميتة دون مراعاة لحماية السكان.

الضفة الغربية والتهجير القسري

لم تقتصر الانتهاكات على قطاع غزة إذ أشار التقرير إلى أن القوات الإسرائيلية شنت في شهر يناير عمليات واسعة في شمال الضفة الغربية أدت إلى إفراغ ثلاثة مخيمات للاجئين من سكانها وتهجير نحو 32 ألف شخص قسرا في أكبر عملية تهجير تشهدها الضفة الغربية منذ عام 1967.

وأوضح التقرير أن السلطات الإسرائيلية منعت السكان من العودة إلى منازلهم مع السماح باستثناءات محدودة فقط وهو ما اعتبرته المنظمة أفعالا تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وترقى إلى التطهير العرقي.

عنف المستوطنين بلا محاسبة

وثق التقرير تصاعدا غير مسبوق في عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية خلال عام 2025 مشيرا إلى تسجيل أكثر من 2660 حادثة حتى شهر سبتمبر أسفرت عن سقوط ضحايا أو إلحاق أضرار بالممتلكات، وأكد أن هذه الهجمات وقعت في مناخ من الإفلات شبه الكامل من العقاب ما شجع على استمرارها واتساع نطاقها.

لم يغفل التقرير الإشارة إلى انتهاكات ارتكبتها أطراف فلسطينية حيث ذكر أن السلطة الفلسطينية صعدت من قمعها للمعارضة في الضفة الغربية بما في ذلك اعتقالات تعسفية وتقييد لحرية التعبير، كما أشار إلى أن الجناح المسلح لحركة حماس نفذ عقب وقف إطلاق النار ما وصفها بإعدامات غير قانونية بحق أشخاص اتهموا بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي.

دعوات للتحرك الدولي

اختتمت هيومن رايتس ووتش تقريرها بدعوة جميع الحكومات إلى اتخاذ خطوات فورية لمنع مزيد من الفظائع من خلال تعليق المساعدات العسكرية ونقل الأسلحة إلى إسرائيل وفرض عقوبات محددة الهدف على المسؤولين الإسرائيليين المتورطين بشكل موثوق في الانتهاكات الجسيمة المستمرة، كما دعت إلى تعليق اتفاقيات التجارة التفضيلية مع إسرائيل وحظر التجارة مع المستوطنات غير القانونية ودعم تنفيذ جميع أوامر القبض الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.

يأتي هذا التقييم ضمن التقرير العالمي 2026 الذي يقع في 529 صفحة ويعد النسخة 36 من السلسلة السنوية التي تصدرها هيومن رايتس ووتش وتغطي أوضاع حقوق الإنسان في أكثر من 100 دولة حول العالم، وفي المقال الافتتاحي للتقرير اعتبر المدير التنفيذي للمنظمة فيليب بولوبيون أن كسر موجة الاستبداد المتصاعدة عالميا يمثل تحدي العصر داعيا الديمقراطيات والمجتمع المدني إلى بناء تحالف استراتيجي للدفاع عن الحريات الأساسية في مواجهة التهديدات المتزايدة للنظام الحقوقي الدولي.

كما يأتي التقرير في سياق حرب ممتدة شهدت تصعيدا غير مسبوق منذ أواخر 2023 وأدت إلى انهيار شبه كامل للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة وتدهور خطير في الضفة الغربية، ويخضع قطاع غزة لحصار مشدد منذ سنوات تفاقم بشكل كبير خلال العمليات العسكرية الأخيرة ما تسبب في نقص حاد في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، وتعتبر منظمات حقوقية دولية أن غياب المساءلة واستمرار الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل من بعض القوى الدولية أسهما في إطالة أمد الانتهاكات وتعميق معاناة المدنيين الفلسطينيين في ظل غياب أفق سياسي حقيقي لإنهاء النزاع.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية