دماء في الشوارع والمشانق.. "هيومن رايتس" توثق صورة قاتمة لحقوق الإنسان في إيران

دماء في الشوارع والمشانق.. "هيومن رايتس" توثق صورة قاتمة لحقوق الإنسان في إيران
احتجاجات في إيران - أرشيف

كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي 2026 عن واحدة من أشد الفترات قتامة في سجل حقوق الإنسان الإيراني مشيرة إلى أن السلطات نفذت خلال عام 2025 إعدامات على نطاق لم تشهده البلاد منذ أواخر الثمانينيات بالتوازي مع حملات اعتقال جماعية وتعسفية وتصعيد واسع للقمع تحت ذريعة حماية الأمن القومي.

وذكرت هيومن رايتس ووتش في التقرير الصادر اليوم الأربعاء أن السلطات الإيرانية استخدمت أدوات القمع بشكل ممنهج لإسكات أي صوت معارض معتمدة على عقوبة الإعدام والقتل خارج نطاق القانون والتعذيب والاحتجاز التعسفي في إطار سياسة وصفتها المنظمة بأنها قائمة على الإفلات الكامل من العقاب.

قمع دموي للاحتجاجات

شهدت إيران في أواخر ديسمبر 2025 اندلاع احتجاجات واسعة سرعان ما تحولت إلى واحدة من أكثر موجات القمع دموية في تاريخ البلاد الحديث إذ تصاعد العنف بشكل حاد في أوائل 2026 مع لجوء قوات الأمن إلى القتل الجماعي للمتظاهرين وحتى للمارة.

وأكدت هيومن رايتس ووتش أنها وثقت أدلة على تصعيد منسق في استخدام القوة غير المشروعة والقاتلة منذ 8 يناير 2026 شمل إطلاق النار المباشر على المتظاهرين والمارة وإصابتهم بطلقات نارية في الرأس والجذع ما أدى إلى مقتل الآلاف خلال فترة زمنية قصيرة.

وأضاف التقرير أن السلطات ارتكبت مجازر واسعة النطاق في ظل قطع شبه كامل للإنترنت وتقييد شامل لوسائل الاتصال في مختلف أنحاء البلاد في محاولة لإخفاء الحجم الحقيقي للفظائع ومنع توثيقها أو نقلها إلى الخارج.

عام الإعدامات غير المسبوقة

اتسم عام 2025 بانتهاكات جسيمة ومنهجية للحق في الحياة كان أبرزها التوسع غير المسبوق في تنفيذ عقوبة الإعدام حيث أعدمت السلطات الإيرانية بحلول نهاية ديسمبر أكثر من 2000 شخص وفقاً لتقديرات مركز عبد الرحمن برومند لحقوق الإنسان في إيران.

ويعد هذا الرقم الأعلى منذ أواخر الثمانينيات ويعكس تصعيداً خطيراً في استخدام الإعدام بوصفه أداة للترهيب السياسي والاجتماعي في ظل غياب الضمانات القضائية الأساسية.

وأشار التقرير إلى أن أكثر من نصف الإعدامات نُفذ في قضايا تتعلق بجرائم مخدرات، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الذي يقصر تطبيق عقوبة الإعدام على أشد الجرائم خطورة، كما أكدت المنظمة أن هذه الإعدامات جاءت بعد محاكمات شابتها انتهاكات جسيمة لحقوق المحاكمة العادلة، ومنها الاعترافات القسرية وحرمان المتهمين من حق الدفاع.

استهداف الأقليات والنساء

وثقت هيومن رايتس ووتش تزايداً مقلقاً في استهداف النساء والأقليات الإثنية والدينية بعقوبة الإعدام، ولا سيما أفراد الأقلية السنية، في سياق ما وصفته بسياسة تمييزية ممنهجة.

كما استمرت السلطات في قمع الأقليات الدينية، وعلى رأسها البهائيون، وهو اضطهاد اعتبرته المنظمة جريمة ضد الإنسانية؛ نظراً لطابعه الواسع والمنهجي واستهدافه جماعة محددة على أساس ديني.

واستمر فرض الحجاب الإلزامي بوصفه سياسة تمييزية ومهينة ضد النساء مع صدور تصريحات رسمية في الأشهر الأخيرة من العام تشير إلى موجة جديدة من التشدد والقمع بحق النساء الرافضات لهذه القوانين.

الاعتقالات والتعذيب

أشار التقرير إلى أن مئات المعارضين والمحامين والصحفيين وأعضاء الأقليات الإثنية والدينية والمواطنين مزدوجي الجنسية والأجانب لا يزالون رهن الاحتجاز التعسفي في السجون الإيرانية.

وأكدت المنظمة أن التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة لا يزالان يمارسان بشكل واسع ومنهجي داخل مراكز الاحتجاز والسجون، ومن ذلك الحرمان المتعمد من الرعاية الطبية واستخدام الجلد وبتر الأطراف بوصفها عقوبات، وهي ممارسات ترقى إلى مستوى التعذيب بموجب القانون الدولي.

سياق دولي معقد

تطرق التقرير إلى تطورات خطيرة في سياق النزاع الإقليمي حيث وثقت هيومن رايتس ووتش هجوماً غير قانوني شنته القوات الإسرائيلية على سجن إيفين في طهران في 23 يونيو 2025 دون وجود هدف عسكري واضح ما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين في واقعة وصفتها المنظمة بأنها جريمة حرب مفترضة.

وأفادت المنظمة بأن هذه الضربات أعقبتها انتهاكات جسيمة ارتكبتها السلطات الإيرانية بحق السجناء السياسيين شملت سوء المعاملة والاختفاء القسري.

وفي المقابل حققت هيومن رايتس ووتش في خمس ضربات صاروخية باليستية إيرانية استهدفت مناطق مأهولة بالسكان في إسرائيل وأسفرت عن مقتل 20 مدنياً وخلصت إلى أنها على الأرجح تشكل أيضاً جرائم حرب.

دعوات للمحاسبة الدولية

قالت بهار صبا الباحثة الأولى في شؤون إيران في هيومن رايتس ووتش إن دوامة الإفلات من العقاب وسفك الدماء أدت إلى موجة إعدامات غير مسبوقة وقمع دموي للمشاركين في الاحتجاجات، ما أسفر عن مقتل أعداد هائلة من المتظاهرين والمارة.

وشددت على أن على المجتمع الدولي التحرك بشكل عاجل لاتخاذ إجراءات ملموسة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم بجميع السبل المتاحة، ومنها الولاية القضائية العالمية، مؤكدة أن غياب المساءلة يشجع السلطات على الاستمرار في ارتكاب الفظائع.

يشهد سجل حقوق الإنسان في إيران تدهوراً مستمراً منذ سنوات، إلا أن عامي 2025 و2026 مثلا ذروة غير مسبوقة في حجم ونطاق الانتهاكات، وتعتمد السلطات الإيرانية منذ عقود على أجهزة أمنية وقضائية مسيسة لقمع المعارضة، مستخدمة الإعدام والتعذيب والاحتجاز التعسفي بوصفها وسائل أساسية للسيطرة، وفي ظل غياب آليات مساءلة فعالة داخلياً وتراجع الضغوط الدولية تتواصل الانتهاكات بحق المواطنين والأقليات وسط تحذيرات متزايدة من منظمات حقوقية من أن الإفلات من العقاب بات يشكل تهديداً وجودياً لحقوق الإنسان في البلاد.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية