مناضلات مغربيات يطالبن بإنصاف تاريخ النساء في الاعتقال السياسي وتعزيز النقاش الحقوقي
مناضلات مغربيات يطالبن بإنصاف تاريخ النساء في الاعتقال السياسي وتعزيز النقاش الحقوقي
أعادت ندوة حقوقية رقمية في المغرب تسليط الضوء على تجارب النساء مع الاعتقال السياسي، في محاولة لإعادة قراءة التاريخ الحديث من زاوية غالباً ما ظلت مهمشة في السرديات الرسمية والبحث الحقوقي، واعتبرت مشاركات في الندوة أن الاعتقال السياسي بصيغة المؤنث يمثل جزءاً أساسياً من فهم الذاكرة الجماعية، وأن إنصاف هذه التجارب ضرورة لاستكمال مسار العدالة والإنصاف.
وبحسب ما ذكرته وكالة أنباء المرأة في تقرير لها الجمعة، نظمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مساء أمس الخميس ندوة رقمية خصصت لمناقشة تجارب النساء مع الاعتقال السياسي في المغرب، بين الماضي والحاضر وسبل مواجهته، بمشاركة مناضلات وحقوقيات وباحثين.
الاعتقال السياسي من منظور نسوي
الندوة تناولت الأبعاد المختلفة للاعتقال السياسي من زاوية النوع الاجتماعي، من خلال استحضار شهادات نساء تعرضن للاعتقال بسبب نشاطهن السياسي المباشر، أو تأثرن به باعتبارهن قريبات لمعتقلين سياسيين، واعتبرت المشاركات أن هذا الجانب ظل محدود الحضور في النقاش العمومي، رغم الآثار العميقة التي خلفها في حياة النساء والأسر والمجتمع.
وفي المداخلات التمهيدية، جرى التذكير بسياقات سياسية في مراحل من تاريخ المغرب الحديث اتسمت بتقييد حرية التعبير والعمل السياسي، حيث استخدم الاعتقال وسيلة للحد من المعارضة، وأشارت المتحدثات إلى أن النساء عايشن هذه التجارب بخصوصيات إضافية، سواء من خلال الاعتقال المباشر أو عبر الأعباء الاجتماعية والنفسية الناتجة عن اعتقال أفراد من أسرهن.
وأطلقت المشاركات على هذه التجربة تسمية الاعتقال السياسي بصيغة المؤنث، في إشارة إلى طبيعة الانتهاكات التي طالت النساء بشكل مباشر وغير مباشر.
شهادات من داخل الزنازين
قدمت الكاتبة والمناضلة فاطنة البوي شهادة مؤثرة عن تجربتها بوصفها معتقلة سياسية خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث اعتقلت في سن مبكرة وقضت سنوات داخل السجون، بينها فترة في مراكز سرية قبل نقلها إلى سجن النساء.
وأكدت أن إسهامات النساء في العمل السياسي غالباً ما جرى تهميشها في الذاكرة الجماعية وعمليات التوثيق، رغم حضورهن الفعلي في التنظيم والنضال. ورأت أن هذا التهميش لم يقتصر على سنوات الاعتقال، بل امتد إلى طريقة كتابة التاريخ نفسه.
وأوضحت أن تجربة الاعتقال لم تكن مجرد حرمان من الحرية، بل مسّت هوية المرأة المغربية ودورها الاجتماعي، في سياق سياسي وثقافي لم يكن يتقبل بسهولة وجود النساء بوصفهن فاعلات سياسيات مستقلات.
آثار تمتد إلى الحياة الخاصة
من جهتها تحدثت الحقوقية ماريا شرف عن تداعيات الاعتقال والاختطاف على حياتها الشخصية، مشيرة إلى أن فترة احتجازها كانت قصيرة نسبياً، لكن آثارها النفسية استمرت لسنوات طويلة بعد الإفراج عنها.
وأوضحت أن مرور الزمن لا يمحو الأثر النفسي لهذه التجارب، وأن استعادة الشهادات بعد عقود تظل مؤلمة لكنها ضرورية لفهم حجم المعاناة الإنسانية المرتبطة بالاعتقال السياسي، كما تطرقت إلى ما وصفته بالتبعات غير المرئية للعنف، مثل فقدان الاستقرار والتأثير العميق في العلاقات والحياة الخاصة.
النساء حارسات الذاكرة
إلى جانب الشهادات الفردية، ناقشت ندوة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الدور الذي لعبته النساء في حفظ الذاكرة الجماعية المرتبطة بالاعتقال السياسي، فقد شاركت نساء كثيرات في تنظيم حملات تضامن، وتوثيق الانتهاكات، والتواصل مع منظمات وطنية ودولية من أجل الدفاع عن المعتقلين السياسيين.
وأكدت المشاركات أن هذه الجهود أسهمت في إبقاء ملف الاعتقال السياسي حاضراً في النقاش العام، وأسهمت في تعزيز الوعي الحقوقي وإدراج هذه القضايا ضمن إطار أوسع يتعلق بالعدالة والإنصاف والمصالحة المجتمعية.
إدماج التجارب النسوية
خلصت الندوة إلى أن تجارب النساء مع الاعتقال السياسي تشكل جزءاً لا يتجزأ من فهم تاريخ المغرب الحديث، وأن تجاهلها يعني إغفال جانب أساسي من الذاكرة الوطنية، ودعت المشاركات إلى تكثيف البحث والتوثيق حول هذه التجارب، وإدماج شهادات النساء في النقاشات المتعلقة بحقوق الإنسان والمساواة.
ورأت المتدخلات أن الاعتراف بهذه التجارب لا يهدف فقط إلى إنصاف الضحايا، بل أيضاً إلى بناء ذاكرة جماعية أكثر شمولية، تساعد على ترسيخ قيم العدالة وعدم التكرار في المستقبل.
شهد المغرب خلال ما يعرف بسنوات الرصاص، الممتدة تقريباً من ستينيات إلى تسعينيات القرن العشرين، موجة من الاعتقالات السياسية والانتهاكات التي طالت معارضين ونشطاء من مختلف التيارات، وفي بداية الألفية الثالثة، أطلقت الدولة مساراً للعدالة الانتقالية عبر هيئة الإنصاف والمصالحة التي عملت على كشف جزء من الانتهاكات وتعويض الضحايا، غير أن كثيرين يرون أن تجارب النساء في تلك المرحلة لم تحظَ بالاهتمام الكافي، سواء على مستوى التوثيق أو الاعتراف الرسمي، رغم أن النساء تعرضن للاعتقال والتعذيب أو عشن آثار اعتقال أفراد من أسرهن لسنوات طويلة، وتؤكد منظمات حقوقية أن إدماج هذه التجارب في الذاكرة الوطنية يعد خطوة أساسية لتعزيز المصالحة وترسيخ قيم حقوق الإنسان في المجتمع.









