دعوات لإصلاحات عاجلة تعزز حقوق المغربيات داخل الأسرة وسوق العمل

دعوات لإصلاحات عاجلة تعزز حقوق المغربيات داخل الأسرة وسوق العمل
احتجاجات في المغرب - أرشيف

تواجه النساء في المغرب واقعاً مركباً من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، في ظل تزايد المطالب بإصلاحات شاملة تضمن لهن حقوقاً أكثر عدالة داخل الأسرة وسوق العمل، وتبرز هذه الإشكالات في سياق وطني يشهد تحولات متسارعة، إلا أن انعكاسها على أوضاع النساء لا يزال محدوداً، ما يثير تساؤلات حول فعالية السياسات المعتمدة في تحقيق المساواة.

وفي هذا السياق، وجهت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب يوم أمس الخميس رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة، دعت فيها إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز حماية النساء وتمكينهن اقتصادياً واجتماعياً، مؤكدة أن القوانين الحالية، خصوصاً تلك المتعلقة بالأسرة، لم تعد مواكبة للتحولات المجتمعية، ولا توفر الضمانات الكافية لحماية النساء من الهشاشة والفقر، وفق وكالة أنباء المرأة.

فجوة اقتصادية مقلقة

تكشف الأرقام المتاحة عن فجوة واضحة في المشاركة الاقتصادية للنساء، حيث لا تتجاوز نسبة النساء المنخرطات في سوق العمل 19 بالمئة، وهو معدل يعكس محدودية الفرص المتاحة أمامهن مقارنة بالرجال، وترى الجمعية أن هذا الوضع لا يرتبط فقط بعوامل اقتصادية، بل يتداخل مع إكراهات اجتماعية وثقافية وقانونية تحد من ولوج النساء إلى العمل اللائق.

كما يشير هذا الضعف في المشاركة إلى خسارة اقتصادية غير مباشرة، إذ يحرم الاقتصاد الوطني من إسهام شريحة واسعة قادرة على الإنتاج، ما يستدعي إعادة النظر في السياسات العمومية المرتبطة بالتشغيل والتمكين.

العنف يقوض فرص التمكين

إلى جانب التحديات الاقتصادية، تواجه النساء في المغرب مستويات مرتفعة من العنف، حيث تظهر البيانات الرسمية أن 58 بالمئة منهن تعرضن لأشكال مختلفة من العنف، سواء داخل الأسرة أو في الفضاء العام، ويشكل هذا الواقع عائقاً رئيسياً أمام تمكين النساء، إذ يؤثر بشكل مباشر في قدرتهن على الاستفادة من الفرص المتاحة والمشاركة الفاعلة في المجتمع.

وترى الجمعية أن استمرار هذه النسبة المرتفعة يعكس قصوراً في آليات الحماية، ويؤكد الحاجة إلى سياسات أكثر صرامة وفعالية لمكافحة العنف ضد النساء.

إصلاح القوانين الأسرية

تضع الرسالة المفتوحة مسألة إصلاح القوانين الأسرية في صدارة الأولويات، معتبرة أن القوانين الحالية المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث تحتاج إلى مراجعة شاملة تضمن العدالة داخل الأسرة، وتشدد على أن تحقيق المساواة لا يمكن أن يتم دون تحديث هذه المنظومة القانونية بما يتماشى مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية.

كما دعت إلى الاعتراف بالعمل المنزلي بوصفه جزءاً من الاقتصاد الوطني، لما له من دور أساسي في استقرار الأسرة والمجتمع، مطالبة بإدماجه ضمن السياسات العمومية وتوفير حماية قانونية واجتماعية للعاملات في هذا المجال.

مقترحات لتعزيز التمكين

قدمت الجمعية مجموعة من المقترحات العملية، منها تسريع وتيرة الإصلاحات القانونية، وتقييم برامج تمكين النساء، ووضع خطة واضحة لرفع نسبة مشاركتهن الاقتصادية، كما شددت على ضرورة نشر بيانات دورية مصنفة حسب الجنس، ما يتيح تتبع فعالية السياسات العمومية وتحديد مكامن الخلل.

وأكدت أيضاً أهمية الاستثمار في خدمات القرب، مثل دور الحضانة ومراكز رعاية المسنين، باعتبارها عوامل مساعدة للنساء على التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، إلى جانب دعم الأطفال في وضعية الإعاقة.

الحماية الاجتماعية مدخل للإصلاح

تطرقت الرسالة إلى ضرورة توسيع نطاق الحماية الاجتماعية لتشمل جميع النساء، ومنهن غير العاملات في القطاع الرسمي، مع احتساب فترات الرعاية الاجتماعية ضمن أنظمة التقاعد والتغطية الصحية، وترى الجمعية أن هذه الإجراءات تمثل خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان كرامة النساء.

وتؤكد أن الحماية الاجتماعية ينبغي ألا تبقى مجرد شعار، بل يجب أن تتحول إلى سياسات ملموسة تنعكس بشكل مباشر على حياة النساء، خاصة الفئات الأكثر هشاشة.

رهان العدالة والمساواة

تعكس هذه المطالب تصاعد الوعي المجتمعي بأهمية تمكين النساء، ليس فقط بوصفه قضية حقوقية، بل مدخل أساسي لتحقيق التنمية الشاملة في المغرب، فتعزيز مشاركة النساء في الاقتصاد، وضمان حمايتهن من العنف، وتوفير بيئة قانونية عادلة، كلها عناصر مترابطة تسهم في بناء مجتمع أكثر توازناً واستقراراً.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحكومة المغربية أمام اختبار حقيقي لترجمة التزاماتها إلى سياسات عملية تستجيب لتطلعات النساء، وتضع أسس مرحلة جديدة تقوم على العدالة والمساواة.

شهد المغرب خلال العقود الماضية عدداً من الإصلاحات المرتبطة بحقوق النساء، أبرزها تعديل مدونة الأسرة عام 2004 الذي شكل خطوة مهمة نحو تحسين وضعية المرأة داخل الأسرة، غير أن هذه الإصلاحات، رغم أهميتها، لم تنجح بشكل كامل في معالجة جميع أوجه التمييز، خاصة في ظل استمرار تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة. وعلى الصعيد الدولي، تؤكد التقارير الأممية أن تمكين النساء اقتصادياً يرتبط بشكل مباشر بتحقيق النمو والاستقرار، حيث تسهم زيادة مشاركة النساء في سوق العمل في رفع الناتج المحلي وتعزيز العدالة الاجتماعية، ما يجعل من هذه القضية أولوية في السياسات التنموية الحديثة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية