قطع الإنترنت في إيران.. سياسة تضييق اقتصادي واجتماعي تهدد حياة النساء
قطع الإنترنت في إيران.. سياسة تضييق اقتصادي واجتماعي تهدد حياة النساء
تحوّل قطع الإنترنت في إيران من إجراء تقني مؤقت إلى أداة متكررة لإدارة المجال العام، مع تداعيات اقتصادية واجتماعية ونفسية واسعة، خصوصاً على النساء اللواتي يعتمدن على الفضاء الرقمي بوصفه مصدر دخل ومساحة حضور وتأثير.
ويرى محللون أن الإغلاق واسع النطاق للشبكات لا يبطئ تدفق المعلومات فحسب، بل يفاقم كلفة المعيشة ويعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، بحسب ما ذكرت وكالة "JINHA"، اليوم السبت.
ومع شلل الاقتصاد الإلكتروني، تتضرر آلاف المشاريع الصغيرة والعاملين لحسابهم الخاص -من البائعين عبر الإنترنت والمصممين والمترجمين إلى الصحفيين المستقلين وصنّاع المحتوى- دون شبكات أمان أو تعويضات واضحة.
ويقارب بعض الباحثين هذه الظاهرة بمفهوم “العنف البنيوي” الذي صاغه يوهان غالتونغ، حيث تُنتج هياكل السلطة ظروفاً تؤدي إلى الإفقار وعدم المساواة دون عنف مباشر.
تآكل الحضور العام
تتأثر النساء بشكل خاص بعمليات الإغلاق، إذ لا يمثل الاقتصاد الرقمي لهن ترفاً بل مسار للاستقلال المالي، خاصة لمن تحول القيود الثقافية أو أعباء الرعاية دون مشاركتهن في سوق العمل الرسمي.
ويؤدي الانقطاع المفاجئ إلى خسارة الدخل بين عشية وضحاها، ما يعزز ما يُعرف في الأدبيات النسوية بـ“تأنيث الفقر”.
كما يتجاوز الأثر الجانب المادي إلى الرمزي؛ فالفضاء الرقمي كان مساحة لتشكيل الذات والاعتراف الاجتماعي. تستحضر كتابات سيمون دي بوفوار وجوديث بتلر فكرة أن الفاعلية تتكوّن عبر الحضور والتكرار في المجال العام، ومع تقييد الوصول، تُقوَّض دورة الظهور والاعتراف، فتُستبعد النساء من سوق العمل ومن ساحة التأثير معاً.
منصات تحت الرقابة
تُطرح الهجرة إلى منصات محلية خاضعة للرقابة -مثل روبيكا- بوصفها بديلاً، غير أن الفارق بين فضاء عام عابر للحدود وفضاء مُدار مركزياً يظل جوهرياً، فبينما أتاح الحضور على منصات عالمية فرصاً للانتشار والتقدير والتأثير، تُحوّل المنصات المحلية هذا الحضور إلى وجود “مسموح به” تُحدَّد شروطه مسبقاً، ما يحد من هامش المبادرة ويعيد تعريف الفاعلية ضمن حدود آمنة.
وتتفاقم التداعيات النفسية مع انقطاع المعلومات في مجتمع يعاني الاستقطاب؛ إذ يُراكم الغموض القلق والغضب بدلاً من تهدئته، وتُظهر تجارب سابقة في المنطقة أن حجب المعلومات لا يفضي إلى الاستقرار بقدر ما يُعمّق السخط ويُضعف الثقة العامة.
ولا يُعد الإنترنت مسألة تقنية فحسب، بل قضية بيوسياسية واقتصادية وجندرية، ويمثل قطعه سياسة ذات كلفة اجتماعية عالية: تُقوِّض سبل العيش، وتُقصي النساء عن المجال العام، وتُراكم أعباءً نفسية ومعيشية على الأسر، من دون معالجة جذور الأزمات التي يُفترض أنها تستهدفها.











