التضخم يغير ملامح رمضان في تركيا وسلال الخير تصبح عبئاً على الفقراء
التضخم يغير ملامح رمضان في تركيا وسلال الخير تصبح عبئاً على الفقراء
مع حلول شهر رمضان المبارك تدخل تركيا موسماً اعتاد فيه الناس على التكافل والكرم، لكن هذا العام يحمل ملامح مختلفة فرضها التضخم المرتفع الذي أعاد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، خاصة خلال الشهر الفضيل الذي يمثل قيمة اجتماعية وثقافية عميقة لدى الأتراك، فبدلاً من الأجواء التقليدية المليئة بالموائد العامرة وسلال المساعدات، يواجه كثيرون واقعاً اقتصادياً ضاغطاً يجبرهم على تقليص الإنفاق وإعادة ترتيب أولوياتهم.
ارتفاع حاد في سلال رمضان
أدى استمرار موجة التضخم في تركيا إلى ارتفاع أسعار سلال الطعام الرمضانية التقليدية بنسبة 35% مقارنة بالعام الماضي، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية الخميس، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الأسر التركية، وتعد هذه السلال جزءاً أساسياً من الثقافة المحلية، إذ تحتوي على مواد غذائية رئيسية مثل الدقيق والزيت والبقوليات والتمر والشاي، وتقدم عادة للأسر المحتاجة في إطار التكافل الاجتماعي خلال الشهر الفضيل.
هذا الارتفاع الحاد لم يؤثر فقط في المستهلكين، بل طال أيضاً مفهوم العطاء نفسه، حيث باتت العديد من الأسر غير قادرة على إعداد هذه السلال أو تقديمها كما اعتادت في السنوات السابقة، فمع تآكل القدرة الشرائية، أصبح تأمين الاحتياجات الأساسية أولوية تفوق أي التزامات أخرى، حتى تلك المرتبطة بالتقاليد الدينية والاجتماعية.
الأكثر تضرراً من الأزمة
يقع العبء الأكبر للأزمة في تركيا على فئات المتقاعدين والعاملين بأجور الحد الأدنى الذين لم تعد دخولهم الشهرية كافية لتغطية تكاليف المعيشة الأساسية، وتشير تقديرات نقابة “ترك إيش” إلى أن حد الجوع لأسرة مكونة من 4 أفراد يبلغ 31224 ليرة تركية شهرياً، وهو رقم يتجاوز بكثير متوسط دخول هذه الفئات، ما يضعها في مواجهة مباشرة مع خطر العجز عن تأمين الغذاء الكافي.
حكايات من الواقع اليومي
في أحد أسواق منطقة أوسكودار في إسطنبول، يقف المتقاعد شاهين توتار أمام أكشاك الباعة متأملاً الأسعار المرتفعة، ويعكس حديثه شعوراً عاماً بالإحباط، إذ يؤكد أن تكلفة وجبة إفطار بسيطة مع بعض الفاكهة تجاوزت 1000 ليرة، وهو مبلغ لم يكن متخيلاً قبل سنوات قليلة، ويقول إن مائدة الإفطار هذا العام ستكون أكثر تواضعاً، في إشارة إلى التغير الذي فرضته الظروف الاقتصادية على نمط الحياة.
على الرغم من تراجع معدلات تضخم الغذاء عالمياً إلى أقل من 10%، فإن تركيا تسير في اتجاه مختلف تماماً، حيث لا تزال معدلات التضخم مرتفعة بشكل لافت، ووفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بلغ التضخم الغذائي السنوي في تركيا 28.3% في ديسمبر 2025، مقارنة بمتوسط لا يتجاوز 3.8% في دول المنظمة، ما يعكس اتساع الفجوة بين الواقع المحلي والاتجاهات العالمية.
تأثير غير متكافئ في الفقراء
يرى الخبير الاقتصادي مراد ساجمان أن تكاليف الغذاء والسكن تضرب الفئات الفقيرة بشكل مضاعف، إذ تستهلك هذه البنود النسبة الكبرى من دخلها، ويؤكد أن الفجوة بين الأسعار العالمية والمحلية في تركيا تتسع، ما يزيد من صعوبة الوضع، خاصة في ظل غياب حلول سريعة تعيد التوازن للأسواق.
يحذر ساجمان من أن استمرار التضخم دون إصلاحات هيكلية سيؤدي إلى مزيد من التآكل في القدرة الشرائية، ما قد يفاقم من الأوضاع الاجتماعية ويزيد من معدلات الفقر، ويشير إلى أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى بنية الاقتصاد كلها، ما يتطلب تدخلات عميقة ومستدامة.
رمضان بين الروحانية وضغوط الواقع
في ظل هذه الظروف، يجد كثير من الأتراك أنفسهم أمام معادلة صعبة، إذ يحاولون الحفاظ على روح الشهر الكريم وقيمه، في حين يواجهون ضغوطاً اقتصادية متزايدة تحد من قدرتهم على ممارسة طقوسه كما اعتادوا، وتتحول موائد الإفطار إلى مساحة للتكيف مع الواقع، حيث يغلب التبسيط على البذخ، ويحل الاقتصاد محل الوفرة.
شهد الاقتصاد التركي خلال السنوات الأخيرة تقلبات حادة نتيجة سياسات نقدية غير تقليدية وارتفاع معدلات التضخم، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية، خاصة الغذاء، ومع تراجع قيمة الليرة وارتفاع تكاليف الاستيراد، زادت الضغوط على الأسواق المحلية، في وقت يعتمد فيه جزء كبير من السكان على دخول ثابتة أو محدودة، ويكتسب شهر رمضان أهمية خاصة في تركيا، ليس فقط بوصفه فترة دينية، بل بوصفه حدثاً اجتماعياً يعزز قيم التضامن والتكافل، غير أن استمرار الأزمة الاقتصادية يهدد بإعادة تشكيل هذه التقاليد، ويضعف قدرة المجتمع على الحفاظ على أنماط العطاء التي طالما ميزت هذا الشهر.











