تصاعد جرائم الأحداث يفتح ملف السياسات الاجتماعية والقضائية في تركيا
تصاعد جرائم الأحداث يفتح ملف السياسات الاجتماعية والقضائية في تركيا
تشهد تركيا منذ نهاية عام 2025 حالة من الجدل المتصاعد داخل الأوساط السياسية والحقوقية بشأن ملف الأطفال المتورطين في الجريمة، في ظل توجه حكومي لإدخال تعديلات قانونية جوهرية تمس تعريف الطفل الجانح وحدود مسؤوليته الجنائية، ويأتي هذا النقاش في وقت تتزايد فيه المؤشرات الرقمية المرتبطة بجرائم الأحداث، ما يضع صناع القرار أمام معادلة معقدة بين الردع والحماية.
وبحسب ما أوردته وكالة أنباء المرأة، الجمعة، فإن وزارة العدل التركية تعمل على إعداد مشروع قانون جديد تعتزم تقديمه إلى البرلمان، يتضمن إعادة تعريف الأطفال المتورطين في الجريمة، مع تعديل الحد الأدنى لسن المسؤولية الجنائية، إلى جانب توسيع صلاحيات القضاة ضمن ما يعرف بالحزمة القضائية الثانية عشرة، وتشير المعطيات إلى أن المشروع قد يتضمن خفض سن المسؤولية عن 12 عاماً، وهو ما أثار موجة واسعة من الانتقادات والتحذيرات.
تصاعد الأرقام خلال عقد
تكشف البيانات الرسمية في تركيا عن مسار تصاعدي مقلق في أعداد الأطفال المتورطين في الجريمة خلال السنوات العشر الأخيرة. ففي عام 2015 بلغ العدد 158560 طفلاً، ثم تراجع نسبياً في السنوات التالية قبل أن يعاود الارتفاع تدريجياً، وبحلول عام 2022 وصل العدد إلى 176128 طفلاً، وارتفع في عام 2023 إلى 177174 طفلاً، قبل أن يبلغ ذروته في عام 2024 عند 188926 طفلاً. وفي عام 2025 سجل انخفاضاً طفيفاً إلى 186256 طفلاً.
هذه الأرقام تعكس زيادة إجمالية بنسبة 17.47 بالمئة خلال عقد واحد، وهو ما يراه خبراء مؤشراً على خلل بنيوي يتجاوز مجرد الظاهرة الجنائية، ليعكس تحديات اجتماعية واقتصادية أعمق.
انتقادات قانونية وإعلامية
في خضم هذا الجدل، تنتقد المحامية ديلان كوتش ما وصفته بتضليل الرأي العام داخل تركيا عبر بعض البرامج الإعلامية التي تناقش قضايا الأحداث دون الاستناد إلى خبرات متخصصة، معتبرة أن ذلك يسهم في ترسيخ صورة سلبية عن الأطفال بدلاً من فهم ظروفهم.
وتشير كوتش إلى أن المقارنات التي طرحها وزير العدل مع بعض الدول الأوروبية بشأن سن المسؤولية الجنائية تفتقر إلى الدقة، موضحة أن المتوسط الأوروبي يبلغ نحو 14 عاماً، في حين يختلف الحد الأدنى بين دولة وأخرى، ولا يعني ذلك بالضرورة تطبيق نفس السياسات العقابية.
وتحذر من أن خفض سن المسؤولية الجنائية لا يعكس توجهاً إصلاحياً، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة في ظل غياب منظومة متكاملة لإعادة التأهيل.
العقوبة ليست الحل
تؤكد كوتش أن تشديد العقوبات لا يشكل رادعاً فعالاً للأطفال؛ نظراً لعدم قدرتهم على استيعاب العواقب بعيدة المدى لأفعالهم، بعكس البالغين، وترى أن إدخال الأطفال إلى السجون يعرضهم لبيئات إجرامية قد تزيد من احتمالية انخراطهم في سلوكيات أكثر خطورة.
وتدعو إلى اعتماد سياسات التدخل المبكر، والتركيز على برامج إعادة التأهيل بدلاً من الزج بالأطفال في النظام القضائي، مشددة على أهمية وجود قضاة متخصصين ومحاكم أحداث مؤهلة للتعامل مع هذه الفئة داخل تركيا.
أزمة محاكم الأحداث
من النقاط المثيرة للقلق إغلاق أو تهميش محاكم الأحداث في بعض المناطق، ما أدى إلى محاكمة الأطفال في نفس المحاكم التي تنظر قضايا البالغين، وترى كوتش أن هذا التوجه يقوض العدالة المتخصصة ويضعف فرص إعادة التأهيل.
كما تؤكد الحاجة إلى تدريب القضاة وأفراد إنفاذ القانون على التعامل مع قضايا الأطفال، ما يضمن مراعاة خصوصيتهم النفسية والاجتماعية.
مقاربة اجتماعية للأزمة
من جانبها، ترى عالمة الاجتماع أوزغور أكتكون أن انخراط الأطفال في الجريمة يعكس أزمة هيكلية ترتبط بضعف الدولة الاجتماعية وتراجع سياسات الحماية، وتشير إلى أن التدهور الاقتصادي، واتساع الفجوات الاجتماعية، وتراجع دور المؤسسات التعليمية، كلها عوامل تدفع الأطفال نحو بيئات محفوفة بالمخاطر.
وتوضح أن غياب آليات الوقاية والإنذار المبكر يجعل النظام الحالي يعمل بردود فعل متأخرة، بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية للمشكلة.
تؤكد أكتكون أن الحل لا يكمن في تعديل القوانين فقط، بل في بناء منظومة متكاملة تركز على الطفل، تشمل تعزيز الخدمات الاجتماعية، وتطوير برامج الدعم الأسري، وتفعيل دور الحكومات المحلية.
وتلفت إلى أن ضعف التنسيق بين المؤسسات يؤدي إلى إعادة الأطفال إلى نفس البيئات الخطرة بعد التدخل، ما يعيد إنتاج المشكلة بشكل مستمر.
البعد الحقوقي والسياسي
في السياق ذاته، تحذر الناشطة مقدس ألاتاش من أن معاملة الأطفال في تركيا معاملة البالغين، خاصة في القضايا ذات الطابع السياسي، قد تؤدي إلى أزمات حقوقية جديدة، وتشير إلى أن هذا النهج يتعارض مع المعايير الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.
وترى أن التركيز على العقاب بدلاً من الحماية يعكس خللاً في أولويات السياسات العامة، خاصة في ظل تراجع الإنفاق على التعليم والخدمات الاجتماعية.
وتؤكد أن مسؤولية الدولة الأساسية تتمثل في حماية الأطفال، وليس معاقبتهم، محذرة من أن تجاهل الأسباب الحقيقية، مثل الفقر والتهميش والتسرب من التعليم، سيؤدي إلى تفاقم الظاهرة.
تشديد العقوبات محل جدل
بدورها، ترى البرلمانية بيريتان غونيش أن تشديد العقوبات لا يسهم في خفض معدلات الجريمة بين الأطفال، مشيرة إلى أن الاتفاقيات الدولية تؤكد ضرورة التعامل مع الأطفال بشكل مختلف عن البالغين.
وتضيف أن الحبس يجب أن يكون الخيار الأخير وليس الأول، في التعامل مع جرائم الأحداث، ما يتماشى مع المبادئ الدولية لحماية الطفل.
تندرج هذه النقاشات ضمن سياق عالمي أوسع يتعامل مع جرائم الأحداث باعتبارها قضية اجتماعية مركبة، لا مجرد مسألة قانونية. إذ تشير التجارب الدولية إلى أن الدول التي تعتمد على سياسات وقائية، مثل دعم التعليم، وتعزيز الرعاية الأسرية، وتوفير برامج التأهيل، تحقق نتائج فُضلى في الحد من الجريمة بين الأطفال مقارنة بتلك التي تركز على العقوبات، كما تؤكد المعايير الدولية، ومنها قواعد بكين واتفاقية حقوق الطفل، ضرورة إعطاء الأولوية لمصلحة الطفل الفضلى، وضمان عدم إدخاله في النظام القضائي إلا بوصفه خياراً أخيراً، مع توفير بدائل إنسانية تضمن إعادة دمجه في المجتمع.










