تصاعد معاناة الأطفال في مناطق النزاع وسط تحذيرات أممية من أزمة عالمية

تصاعد معاناة الأطفال في مناطق النزاع وسط تحذيرات أممية من أزمة عالمية
أطفال يتخذون مأوى بين الأنقاض جراء الحروب والنزاعات

في قلب النزاعات المسلحة المتفشية حول العالم، تتحول الطفولة إلى ساحة مأساوية بلا حصانة، حيث يواجه ملايين الأطفال القتل والإصابة والتجنيد القسري والحرمان من التعليم، وحذرت كاثرين راسل، المديرة التنفيذية لليونيسف، يوم الجمعة من تصاعد الانتهاكات بحق الصغار، مشددة على أن التعليم الآمن هو الدرع الوحيد أمام استغلال الأطفال في الحروب.

يعيش نحو خمس الأطفال حول العالم في مناطق تشهد عنفًا واسع النطاق، وتتعرض مدارسهم للهجمات المباشرة، ما يحرمهم من التعلم ويعمّق معاناتهم الإنسانية فمن غزة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وميانمار وأوكرانيا، تُظهر تقارير الأمم المتحدة حجم المأساة، مع أكثر من 14 ألف هجوم على المدارس منذ 2005، نصفها خلال العقد الأخير، لتصبح الطفولة هدفًا مباشرًا في كل صراع.

وتشير أحدث التقارير الأممية إلى أن عام 2024 سجّل أعلى مستويات من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال منذ بداية آليات التوثيق التابعة للأمم المتحدة منذ أكثر من 25 عامًا، فيما تضاعفت التحذيرات الحقوقية من أزمة تهدد مستقبل ملايين الصغار حول العالم.

أرقام أممية غير مسبوقة في العنف ضد الأطفال

في تقريره السنوي عن الأطفال والنزاع المسلح، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن عام 2024 شهد 41,370 حالة انتهاك جسيم ضد الأطفال في مناطق الصراع، وهو أعلى عدد مُوثَّق منذ اعتماد آلية مراقبة الامتثال الدولية لحماية الأطفال في النزاعات المسلحة وفق بيانات الأمم المتحدة.

تشمل هذه الانتهاكات القتل والتشويه، والحرمان من المساعدات الإنسانية، وتجنيد الأطفال، والهجمات على المدارس والمستشفيات، والاعتداءات الجنسية، وفي تفاصيلها، وثّق التقرير 11,967 حالة قتل أو تشويه للأطفال، 7,906 حالة منع الوصول إلى المساعدات الإنسانية، و7,402 حالة تجنيد أو استخدام في الصراع، مما يعكس التوسع الهائل في نطاق العنف ضد الفئات الأصغر سنًا. 

كما ارتفع عدد الهجمات على المدارس بنسبة 44%، في حين شهد العنف الجنسي ضد الأطفال زيادة بنحو 34%، في مؤشر على تحول النزاعات إلى بيئات لا تحتمل أي شكل من أشكال الحماية الأساسية. 

الدول والمناطق التي سجلت أعلى مستويات الانتهاكات كانت إسرائيل والأراضي الفلسطينية وخاصة قطاع غزة، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والصومال، ونيجيريا، وهايتي، كما انتشرت الانتهاكات في مناطق نزاع أخرى في سوريا واليمن وجنوب السودان وغيرها. 

من المدرسة إلى خط المواجهة

تُعدّ الهجمات على المدارس واستخدامها لأغراض عسكرية أحد أبرز أشكال الانتهاكات التي تؤثر مباشرة على مستقبل الأطفال، ففي تسع سنوات من التوثيق الأممي، تم تسجيل أكثر من 2,500 هجوم على المدارس في إفريقيا فقط، وهو ما يمثل حوالي 38% من إجمالي الهجمات على المدارس عالمياً، حسب تقرير اليونيسف. 

في غزة، يعاني الأطفال من انهيار شبه كامل في التعليم بعد تدمير آلاف المدارس وتحويل العديد منها إلى مراكز إيواء أو قواعد عسكرية، كما تشير تقديرات اليونيسف إلى أن أكثر من 660 ألف طفل في القطاع محرومون من الدراسة نتيجة استمرار الحرب وتحول المدارس إلى مناطق خطرة أو غير صالحة للاستخدام التعليمي. 

في أوكرانيا، يواجه 5.3 مليون طفل صعوبات في الوصول إلى التعليم بسبب النزاع المستمر، وتضررت آلاف المدارس جراء الأعمال العسكرية، ما يحرم أعدادًا كبيرة من الأطفال من بيئات تعليمية آمنة. 

أسباب التصاعد

يربط خبراء حقوق الإنسان ارتفاع الانتهاكات بحقوق الأطفال بعدة عوامل متداخلة أولها تطور طبيعة الحروب الحديثة حيث أصبحت النزاعات أكثر تعقيدًا وتعدد طبقاتها، مع توظيف الأسلحة المتفجرة الثقيلة في المناطق المأهولة، ما يحول البيوت والمدارس إلى ساحات قتال، ويزيد من خطر إصابة الأطفال وقتلهم. 

وثاني العوامل يتمثل في انهيار البنية التحتية، حيث تتسبب النزاعات في تدمير المدارس والمستشفيات وشبكات الخدمات الأساسية، مما يحرم الأطفال من التعليم والرعاية الصحية والطبية، ويزيد من تعرضهم للأمراض وسوء التغذية، إضافة إلى ضعف الالتزام بالقانون الدولي الإنساني لافتين إلى أنه رغم وجود اتفاقيات دولية لحماية الأطفال مثل البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف، فإن تنفيذها في ساحات الصراع يبقى محدودًا في ظل غياب آليات محاسبة فاعلة. 

كما يضيف الخبراء عامل الاستغلال المتزايد للأطفال في النزاعات حيث تستخدم بعض الجماعات المسلحة الأطفال في القتال أو كدروع بشرية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الطفل، مما يزيد من عدد الضحايا. 

تداعيات إنسانية بعيدة المدى

الانتهاكات ضد الأطفال لا تقف عند حدود الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد إلى أبعاد إنسانية واجتماعية عميقة تتمثل في الحرمان من التعليم وما يترتب عليه من فقدان الفرص التنموية وارتفاع مخاطر الفقر والبطالة في المستقبل، ما يعيد إنتاج دورة العنف والحرمان في الأجيال القادمة وكذلك العنف النفسي والاجتماعي حيث يعيش الأطفال في مناطق النزاع تحت ضغط نفسي شديد، يتجسد في مخاوف مستمرة، صدمات ما بعد الصدمة، وسلوكيات عدوانية لاحقة تعيق اندماجهم في المجتمع.

كما تتضمن الانتهاكات سوء التغذية والأزمات الصحية ففي مناطق الصراع، يشير تقريران أمميان إلى أن ملايين الأطفال يعانون من سوء تغذية حاد وجوع مدقع نتيجة انقطاع الخدمات الأساسية وفشل وصول المساعدات الإنسانية، مما يضاعف خطر الوفاة أو الإعاقة طويلة الأمد، وكذلك تجنيد الأطفال واستغلالهم حيث تظهر البيانات ارتفاعًا في حالات تجنيد الأطفال واستخدامهم في القتال أو الأعمال المساندة، مما يحرمهم من طفولتهم ويعرض حياتهم لخطر الموت أو الاعتقال والخطف. 

ردود الفعل الدولية والمنظمات الحقوقية

على الصعيد الدولي، أطلقت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية تحذيرات قوية من كون الانتهاكات ضد الأطفال أصبحت واحدة من أخطر ملامح النزاعات المسلحة المعاصرة، ويسعى الأمين العام للأمم المتحدة والمكاتب المعنية بحماية الأطفال في النزاع المسلح إلى تعزيز آليات الحماية ورفع الوعي، مؤكدين أن تجاهل هذه الحقائق يعني التخلي عن مستقبل أجيال كاملة. 

من جهتها، دعت منظمة يونيسف إلى اعتبار 2024 واحدة من أسوأ السنوات في تاريخها من حيث تأثير النزاعات على الأطفال، بما في ذلك ارتفاع أعداد القتلى والمعاقين والنازحين وسوء التغذية، مشيرة إلى أن الأطفال في النزاعات أكثر عرضة للفقدان والحرمان من الحق في الحياة والتعليم والصحة من أي وقت مضى.

المنظمات الحقوقية الدولية، بما في ذلك هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية وغيرها من الشبكات الحقوقية، تسلط الضوء على انتهاكات القانون الدولي الإنساني والحقوقي وتطالب بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات أمام العدالة الدولية من خلال المحكمة الجنائية الدولية وآليات قانونية دولية أخرى وتحث هذه المنظمات الدول على دعم مبادرات تعزيز حماية الطفولة واستعادة حقوقهم الأساسية. 

الإطار القانوني الدولي والدعوات للحماية

يحظر القانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الطفل بشكل صريح استهداف الأطفال أو تجنيدهم في النزاعات المسلحة، ويُلزم أطراف النزاع بتوفير حماية خاصة لهم، وتشمل هذه الحقوق حق الحياة، والتعليم، الرعاية الصحية، والسلامة الشخصية غير أن ضعف إنفاذ هذه القواعد في الميدان يجعل الأطفال عرضة للانتهاكات المتكررة.

في هذا السياق، تدعو الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تعزيز التوافق الدولي على مبادرات مثل إعلان المدارس الآمنة، وإدراج التعليم ضمن خطط الحماية الوطنية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، لضمان بيئات تعليمية آمنة، وتعزيز الصحة النفسية للأطفال وإشراك المجتمعات المحلية في التدخلات الإنسانية. 

تظهر الأرقام الصادمة التي وثقتها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أن التحديات التي تواجه الأطفال في مناطق النزاع تتجاوز آمال الوصول إلى الأمان الأساسي، فمن الحرمان من التعليم إلى الخطر الجسيم على الحياة باتت الطفولة نفسها ميدانًا للانتهاك والإهمال في صراع يطول الإنسانية جمعاء، وتحذر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الواقع قد يمحو جيلًا بأكمله من ذاكرته وأمله في المستقبل، ما يستدعي تحركًا عالميًا فاعلًا وحازمًا لحماية حقوق الأطفال قبل فوات الأوان. 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية