تحذيرات أممية.. لا عدالة مناخية بلا حوكمة قائمة على الحقوق
أمام الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان
في لحظة دولية تتكاثف فيها الأزمات، تعود أزمة المناخ إلى صدارة النقاش داخل مجلس حقوق الإنسان، بوصفها اختبارا حقيقيا لالتزام الدول بحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون.
ففي دورته الحادية والستين، يستعرض المجلس تقرير منتدى حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون حول تغير المناخ، وسط تحذيرات واضحة من انتكاسة في العمل المناخي وتآكل الحيز المدني.
التقرير، الذي يلخص مداولات الدورة الخامسة للمنتدى في جنيف (أكتوبر 2025) تحت عنوان "الديمقراطية وتغير المناخ: التركيز على الحلول"، يؤكد أن أزمة المناخ لم تعد شأنا بيئيا فحسب، بل مسألة حقوقية تمس جوهر الكرامة الإنسانية والحق في الحياة والصحة والمياه والغذاء والسكن.
المناخ كقضية حقوقية
وشدد رئيس المجلس على ترابط مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية، مؤكدا أن آثار الأزمة تطول الفئات الأقل مسؤولية عن الانبعاثات على نحو غير متناسب، داعيا إلى مجتمعات منفتحة، ومؤسسات شفافة، ومشاركة مستنيرة تضمن عملا مناخيا مناسبا.
وبدوره، حذّر المفوض السامي لحقوق الإنسان من أن انكماش الحيز المدني، والاعتداءات على المدافعين عن البيئة، وانتشار المعلومات المضللة، كلها تعرقل الاستجابة العاجلة لأزمة متفاقمة.
ودعا إلى حوكمة قائمة على الحقوق، تُمكن المجتمعات المتضررة والشعوب الأصلية والعلماء من صياغة الحلول، وإلى اعتماد ميزانيات مناخية تراعي العدالة والإنصاف.
وأكدت المقررة الخاصة المعنية بتغير المناخ وحقوق الإنسان أن المصالح الاقتصادية المرتبطة بالضرر البيئي تقوض أحيانا الديمقراطية وسيادة القانون، محذرة من إعفاء مشاريع الطاقة المتجددة من ضمانات حقوق الإنسان، لأن التحول الأخضر لا يبرر انتهاك الحقوق.
أصوات على الهامش
وفي مداخلات لافتة، عرضت ممثلة جزر مارشال صورة ملموسة لتهديد ارتفاع مستوى البحر، حيث باتت غالبية المباني في العاصمة معرضة للفيضانات إذا استمر الاحترار.
وأكدت أن الحد من الاحترار عند 1.5 درجة مئوية قد يخفف المخاطر، داعية إلى رفع الطموح المناخي العالمي حماية للدول الجزرية الصغيرة.
كما حذرت خبيرة من مركز جنيف للسياسة الأمنية من أن الكوارث المناخية المتتالية قد تقوض الاستقرار المؤسسي في السياقات الهشة، فيما أشارت أبحاث أكاديمية إلى أن الديمقراطيات رغم قصورها، حققت أداء أفضل نسبيا في السياسات المناخية، لكنها لا تزال تميل إلى حلول تكنوقراطية تُفرض من أعلى دون مشاركة مجدية.
وتناول نقاش آخر أبعاد الذكاء الاصطناعي البيئية، محذرا من ترك حوكمته لهيمنة الشركات الكبرى، ومؤكدا ضرورة تمحوره حول أصوات المجتمعات المحلية لضمان العدالة البيئية.
أما ممثل الشباب فذكر بأن الأطفال يشكلون ثلث سكان العالم، ومع ذلك تظل أصواتهم غائبة عن طاولات القرار، رغم أنهم الأكثر تأثرا بمستقبل المناخ والتنوع البيولوجي.
توصيات عاجلة
وخلص التقرير إلى أن الديمقراطية والعمل المناخي متلازمان، وأن أي سياسة مناخية ينبغي أن تعبر عن الإرادة الشعبية، وتحترم السيادة الوطنية والحق في التنمية، في إطار القانون الدولي ومبدأ المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة كما ورد في اتفاق باريس.
ومن أبرز التوصيات اعتماد سياسات استباقية لرصد المخاطر المناخية، وضمان أن تحمي تدابير التخفيف والتكيف حقوق الإنسان وتحققها، وكذلك تعزيز التمويل المناخي العادل ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، عبر تعاون دولي متعدد الأطراف.
يأتي ذلك إلى جانب ترسيخ الشفافية والمساءلة والمشاركة المجدية في تصميم السياسات وتنفيذها ورصدها، بما يتجاوز الممارسات الانتخابية الشكلية، وإعطاء الأولوية للحلول المستمدة من الطبيعة والنظم الإيكولوجية، والحد من الإفراط في الاعتماد على الحلول التكنولوجية البحتة.
ودعت التوصيات إلى إضفاء الطابع المؤسسي على مشاركة الأطفال والشباب والشعوب الأصلية كشركاء متساوين، استنادا إلى إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، وضمان الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة في مشاريع التحول الطاقي.
فيما أشارت إلى أهمية وضع خطط منصفة للتخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري، مع إدماج حقوق الإنسان والتضامن في صميمها، ومواءمة التمويل المناخي مع معايير حقوق الإنسان، بحيث تحمي الآليات الأفراد والمجتمعات لا المستثمرين فقط.
وجاء في قلب التوصيات، سن تشريعات تحمي المدافعين عن حقوق الإنسان البيئية والصحفيين من الدعاوى الاستراتيجية الكيدية، وإدماج منظور الإعاقة والنوع الاجتماعي في السياسات المناخية، وضمان الوصول والمشاركة الكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي المحصلة، أرسل التقرير رسالة واضحة مفادها أن "معالجة أزمة المناخ ليست مسألة تقنية أو اقتصادية فحسب، بل مشروع عدالة كونية يتطلب حوكمة ديمقراطية شاملة، تعترف بالترابط بين الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة وسائر الحقوق الأساسية، لأنه من دون حقوق الإنسان لن يكون الانتقال الأخضر عادلا، ومن دون الديمقراطية لن يكون مستداما".










