هل ينجح "قانون فينيسيوس الجديد" في محاربة العنصرية داخل الملاعب؟

هل ينجح "قانون فينيسيوس الجديد" في محاربة العنصرية داخل الملاعب؟
فينيسيوس جونيور

في قلب الجدل المتصاعد حول العنصرية في كرة القدم، تعود القضية إلى الواجهة مع مقترح قانوني جديد قد يغير شكل التفاعل داخل الملاعب، ما بات يعرف إعلامياً باسم "قانون فينيسيوس الجديد" يفتح باباً واسعاً للنقاش بين من يراه خطوة ضرورية لضبط السلوكيات العنصرية، ومن يخشى أن يتحول إلى قيد إضافي على حرية اللاعبين دون معالجة جذور الأزمة.

تعود شرارة هذا المقترح إلى سلسلة من الحوادث التي تعرض لها لاعب نادي ريال مدريد فينيسيوس جونيور، حيث أصبح اسمه مرتبطاً بملف العنصرية في الملاعب الأوروبية، حيث تعرض اللاعب البرازيلي مراراً لهتافات وسلوكيات مسيئة، ما أثار موجة تضامن واسعة وضغوطاً متزايدة على الجهات المنظمة للعبة لاتخاذ إجراءات حاسمة.

في هذا السياق، جاء التحرك من جانب مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي ناقش تعديلات قانونية تهدف إلى تقليل السلوكيات التي قد تخفي إساءات لفظية داخل الملعب، وعلى رأسها قيام بعض اللاعبين بتغطية أفواههم أثناء الحديث.

القانون الجديد

المقترح الجديد ينص على اعتبار تغطية الفم أثناء الحديث مع الخصوم مخالفة تستوجب بطاقة صفراء، وقد تصل العقوبة إلى بطاقة حمراء في حالات معينة. ويستهدف هذا التعديل الحد من محاولات إخفاء العبارات المسيئة، خاصة تلك التي قد تحمل طابعاً عنصرياً.

جاءت هذه الفكرة بعد واقعة اللاعب جيانلوكا بريستياني التي أثارت قلقاً داخل أروقة صناع القرار في كرة القدم، حيث اعتبر سلوكه مؤشراً على اتجاه متزايد بين اللاعبين لتجنب الرقابة عبر إخفاء الحديث عن الكاميرات.

بين الضبط والحرية

يرى مؤيدو القانون أن هذه الخطوة تمثل رادعاً مهماً، إذ تجعل أي تواصل بين اللاعبين أكثر شفافية، وتمنح الحكام فرصة كبرى للتدخل في حال وقوع إساءة. لكن في المقابل، يطرح منتقدون تساؤلات حول مدى واقعية تطبيق هذا القانون، خاصة في لعبة تعتمد على التواصل السريع والمباشر بين اللاعبين داخل أجواء تنافسية مشحونة.

ويحذر البعض من أن التركيز على سلوكيات فردية داخل الملعب قد يصرف الانتباه عن المشكلة الكبرى، وهي العنصرية القادمة من المدرجات، والتي تظل أكثر تأثيراً وخطورة.

تقنية الفيديو في الواجهة

بالتوازي مع هذا المقترح، يناقش المسؤولون توسيع صلاحيات تقنية حكم الفيديو المساعد التي يديرها الاتحاد الدولي لكرة القدم، لتشمل مراجعة الإنذارات الثانية والركلات الركنية. هذه الخطوة قد تعزز من دقة القرارات التحكيمية، لكنها أيضاً تعيد الجدل حول مدى تأثير التقنية في انسيابية اللعبة.

كما يجري بحث نظام التحدي الذي يسمح للمدربين بالاعتراض على قرارات الحكم مرتين في المباراة، وهو نظام لا يزال قيد الدراسة رغم وجود دعم محدود له في بعض الدوريات.

إصلاحات إضافية في الطريق

لم تتوقف التعديلات عند هذا الحد، بل شملت أيضاً إجراءات لتسريع إيقاع المباريات. بعد تطبيق قاعدة 8 ثوانٍ لحراس المرمى، يجري الآن منح الحكام صلاحية احتساب عد تنازلي مدته 5 ثوانٍ في حالات إضاعة الوقت، إضافة إلى تقليص زمن التبديلات إلى 10 ثوانٍ فقط.

كما تقرر إلزام أي لاعب يتسبب في إيقاف اللعب بسبب الإصابة بالبقاء خارج الملعب لمدة دقيقة واحدة على الأقل، في محاولة للحد من التمثيل وإضاعة الوقت.

نعم، وقد تناولت منظمات حقوقية وأممية هذه القضية بشكل متكرر، معتبرة أن العنصرية في الملاعب ليست مجرد سلوك فردي بل امتداد لمشكلة مجتمعية أوسع. فقد أكدت الأمم المتحدة عبر آلياتها المعنية بمناهضة التمييز أن الرياضة يجب أن تكون مساحة آمنة خالية من أي ممارسات عنصرية، مشددة على ضرورة تبني سياسات صارمة تجمع بين العقوبات والتوعية. كما دعت اليونسكو إلى استخدام الرياضة لتعزيز قيم التسامح والمساواة، محذرة من أن التساهل مع الإساءات داخل الملاعب قد يرسخها خارجها، ويمنحها شرعية ضمنية في الفضاء العام.

في السياق نفسه، ترى منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أن الإجراءات القانونية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية شاملة تشمل المساءلة الفعلية للأندية والاتحادات، وتفعيل آليات الإبلاغ وحماية الضحايا. وتؤكد هذه المنظمات أن أي تشريعات جديدة، مثل ما يعرف بقانون فينيسيوس، ينبغي ألا تقتصر على ضبط سلوك اللاعبين داخل الملعب، بل تمتد لمعالجة سلوك الجماهير والمنصات الإعلامية، مع ضرورة الاستثمار في برامج تعليمية طويلة الأمد تستهدف تغيير الثقافة السائدة، وليس فقط معاقبة مظاهرها.

إدانة أممية

وفي وقت سابق، أدان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الإساءة العنصرية للاعب كرة القدم البرازيلي فينيسيوس جونيور، ودعا منظمي الأحداث الرياضية إلى وضع "استراتيجيات لمنع العنصرية في الرياضة".

ونقل الموقع الرسمي لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، عن تورك قوله: "إن الإساءة العنصرية للاعب كرة القدم في ريال مدريد فينيسيوس جونيور في إسبانيا هي تذكير صارخ بانتشار العنصرية في الرياضة".

ودعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، في مؤتمر صحفي في جنيف منظمي الأحداث الرياضية إلى وضع استراتيجيات لمنع ومكافحة العنصرية في الرياضة.

وقد اعتمد مجلس حقوق الإنسان، مشروع القرار A/HRC/60/L.22 المعنون "عالم رياضي خالٍ من العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب"، والمقدم من البرازيل وغانا باسم مجموعة الدول الإفريقية، وذلك دون تصويت وبالتوافق.

جاء اعتماد القرار في الاجتماع الرابع والأربعين من الدورة العادية الستين لمجلس حقوق الإنسان الذي ترأسه يورغ لاوبر، رئيس مجلس حقوق الإنسان، اليوم الأربعاء، حيث اليوم الختامي لاجتماعات المجلس.

وتولت البرازيل تقديم مشروع القرار نيابة عن نفسها والمجموعة الإفريقية، حيث أكدت الممثلة البرازيلية أن استمرار حوادث العنصرية في المجال الرياضي يتطلب من المجتمع الدولي مزيدًا من اليقظة وتكثيف الجهود للقضاء على هذه "الآفات".

وشددت على أن الهدف من القرار هو تعزيز التعاون الدولي وتوطيد الالتزام الجماعي بمكافحة العنصرية في الرياضة من منظور حقوق الإنسان، معربة عن ثقتها بأن القرار سيحظى بدعم واسع كما في السنوات السابقة، ووجهت الشكر لجميع الجهات المعنية والمجتمع المدني على المناقشات البناءة.

العنصرية أعمق من القوانين

رغم أهمية هذه التعديلات، يبقى السؤال الأهم هل يمكن للقوانين وحدها القضاء على العنصرية في كرة القدم، التجارب السابقة تشير إلى أن العقوبات والانضباط لا يكفيان دون وجود تغيير ثقافي شامل، يشمل الجماهير والإعلام والأندية.

القضية لا تتعلق فقط بلاعب يغطي فمه أو حكم يراجع لقطة، بل بثقافة كاملة تحتاج إلى إعادة صياغة. العنصرية في الملاعب تعكس في كثير من الأحيان مشكلات أوسع داخل المجتمعات، ما يجعل مواجهتها مسؤولية جماعية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

نحو مستقبل أكثر عدلاً

قانون فينيسيوس الجديد قد يكون خطوة رمزية مهمة، ورسالة واضحة بأن كرة القدم لم تعد تتسامح مع أي شكل من أشكال التمييز. لكنه في الوقت ذاته اختبار حقيقي لقدرة اللعبة على تحقيق التوازن بين فرض الانضباط والحفاظ على روحها التنافسية.

في النهاية، يبقى نجاح هذا القانون مرهوناً بمدى تطبيقه بعدالة، وبمدى تكامله مع جهود أوسع لمحاربة العنصرية، تبدأ من المدرجات ولا تنتهي عند خطوط الملعب.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية