عمل النساء في مناطق الصراع.. سعي وسط النيران من أجل لقمة العيش

عمل النساء في مناطق الصراع.. سعي وسط النيران من أجل لقمة العيش
سعي النساء وسط الحرب والصراعات - أرشيف

تُظهر الحروب المعاصرة أن العمل لم يعد مجرد مصدر دخل للنساء في مناطق الصراع، بل صار أداة نجاة يومية لإطعام الأسرة، ولمنع الانزلاق إلى الاستغلال، ولحماية الأطفال من الجوع والتسرب المدرسي. 

وتزداد قسوة هذا العبء لأن النساء غالبًا ما يواجهن الصراع من موقع هش أصلًا، تشكله مشاهد من نزوحٌ متكرر، خدماتٌ منهارة، وأسواق عمل تنكمش بسرعة. 

وعلى المستوى العالمي، وصل عدد النازحين قسرًا إلى 123.2 مليون شخص بنهاية 2024 وفق بيانات مفوضية اللاجئين، وتُقدّر المفوضية أن النساء والفتيات يشكلن قرابة نصف مجموع اللاجئين والنازحين داخليًا في العادة، ما يعني أن “أزمة العمل” في الحرب تُصيب النساء في قلبها وليست إصابة هامشية.

فرص العمل الآمن

تتحمّل النساء في النزاعات “اقتصاد البقاء” بأشكاله كلها: عملٌ مأجور متقطع، ومهام منزلية ورعاية غير مدفوعة تتضاعف حين تنهار الخدمات العامة. 

وتؤكد تقارير العمل الدولية أن الاقتصاد غير المنظم يظل الملاذ الأكبر عند الأزمات؛ إذ يعمل نحو 2 مليار شخص في الاقتصاد غير الرسمي بما يعادل 61% من قوة العمل العالمية، وهي بيئة عادةً ما تفتقر للحماية الاجتماعية والتأمين والحد الأدنى للأجور.

وتتفاقم الفجوة لأن فرص النساء أصلًا أقل في سوق العمل: ففي 2024 بلغت نسبة تشغيل النساء عالميًا 46.4% مقابل 69.5% للرجال، وفق موجز إحصائي لمنظمة العمل الدولية، ما يجعل أي صدمة أمنية أو اقتصادية تميل إلى دفع النساء خارج السوق أولًا.

لقمة العيش "ممرًا للخطر"

تتداخل بيئة العمل في مناطق الصراع مع مخاطر مباشرة: نقاط تفتيش، قصف، انهيار وسائل النقل، وابتزاز عند المعابر، فضلًا عن العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي يرتفع عادةً في الأزمات.

وتؤكد تقارير البنك الدولي أن العنف القائم على النوع الاجتماعي يقوض مشاركة النساء الاقتصادية ويؤثر في سلامتهن داخل المنزل ومكان العمل، وهو ما يتفاقم في البيئات الهشة والنزاعات حيث تضعف منظومات الحماية والإنفاذ.

وتتجسد هذه المخاطر أيضًا في العمل الإنساني نفسه: فقد وصف تقرير سنوي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2024 بأنه العام الأكثر دموية للعاملين الإنسانيين مع أكثر من 383 قتيلًا، ما يضيّق القدرة على الوصول للمحتاجين، وغالبًا ما تكون النساء أول من يدفع ثمن انقطاع الخدمات.

فقدان القدرة على النجاة

تكشف المؤشرات في غزة عن كيف يترجم الصراع إلى انهيار كامل في “الاستقلال الاقتصادي” للنساء. 

ويُظهر “الملخص الجندري” لهيئة الأمم المتحدة للمرأة أن معدل بطالة النساء قفز من 23% في 2023 إلى 91% في 2024، في واحدة من أكثر القفزات حدةً عالميًا، بالتوازي مع تدهور الخدمات الصحية والغذائية والقدرة على الحركة.

وتحوّل هذا الانهيار إلى أثرٍ اجتماعي ممتد، إذ عندما تُحرم النساء من الدخل، تُصبح خيارات الأسرة أكثر ضيقًا (الاعتماد على المعونات، بيع الممتلكات، الاقتراض القاسي)، وتتزايد مخاطر زواج القاصرات أو عمالة الأطفال، وتتعطل قدرة النساء على اتخاذ قرارات صحية وتعليمية داخل البيت.

تدمير فرص العمل

توضح أفغانستان نموذجًا مختلفًا من تدمير فرص العمل: ليس فقط بفعل الحرب، بل عبر القيود المؤسسية على تعليم النساء وعملهن. 

وتقول الأمم المتحدة للمرأة إن واحدة من كل أربع نساء فقط تعمل أو تبحث عن عمل مقابل قرابة 90% من الرجال، وهو فارق يعكس إقصاءً منهجيًا لا مجرد أزمة اقتصادية.

وتنعكس هذه القيود مباشرة على القطاعات التي تعتمد على العاملات (الصحة والتعليم والخدمات)، وتزيد عبء الرعاية المنزلية غير المدفوعة، وتدفع المزيد من الأسر إلى الاعتماد على دخل واحد في بلد تتسع فيه دائرة الفقر والنزوح.

اقتصاد الحرب يخلق وظائف

تُظهر أوكرانيا أن الحرب قد تدفع النساء إلى قطاعات كانت “مغلقة اجتماعيًا” أمامهن بسبب نقص اليد العاملة، لكن ذلك لا يلغي هشاشة سوق العمل ولا فجوات الأجور والضمانات. 

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن الحرب قلّصت التوظيف بصورة حادة؛ إذ قدّرت انخفاضًا بنحو 15.5% (2.4 مليون وظيفة) في 2022 مقارنة بمستوى ما قبل الصراع.

وتستدعي حماية عمل النساء في النزاعات مقاربة حقوقية تتجاوز شعارات “التمكين” إلى ضمانات ملموسة، ومنها أن تُؤمّن ممرات آمنة للوصول إلى العمل والخدمات، وتمنع الابتزاز والعنف على الطرق ونقاط التفتيش، وتُوسّع شبكات الحماية الاجتماعية (تحويلات نقدية، تأمين صحي، دعم حضانات) لأن عبء الرعاية يتضاعف مع انهيار الدولة.

ويجب أن تُلاحق جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي وتربط الاستجابة الإنسانية بآليات سرية للإبلاغ والحماية في أماكن العمل ومراكز الإيواء، وأن تُموّل برامج كسب العيش للنساء في الاقتصاد غير الرسمي مع أدوات ادخار وائتمان صغيرة، بدل دفعهن إلى قروض استغلالية أو أعمال عالية المخاطر.

وإذا كان “العمل” في زمن الحرب بحثًا عن حياة، فإن ضمانه للنساء ليس مسألة اقتصاد فقط، بل مسألة حق في الأمان والكرامة، وشرطٌ لاستمرار المجتمع نفسه حين تتداعى كل الشروط الأخرى.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية