تسوية الأوضاع في إسبانيا.. فرصة جديدة للمهاجرين أم اختبار للقدرة على الإنصاف؟

تسوية الأوضاع في إسبانيا.. فرصة جديدة للمهاجرين أم اختبار للقدرة على الإنصاف؟
مهاجرون- أرشيف

تطرح إسبانيا، منذ مطلع العام الجاري 2026، واحدة من أوسع مبادرات “تسوية الأوضاع” في أوروبا، عبر قرار حكومي يستهدف منح إقامة وتصريح عمل لمئات آلاف المهاجرين غير النظاميين وبعض طالبي اللجوء، في خطوة تُقدَّم رسميًا بوصفها مسارًا “حقوقيًا واندماجيًا” وتُقرأ اقتصاديًا كاستجابة لنقص اليد العاملة وشيخوخة السكان. 

وقد يشمل الإجراء نحو 500 ألف شخص، على أن يبدأ تطبيقه في أبريل 2026 بشروط أبرزها إثبات الإقامة قبل 31 ديسمبر 2025 وعدم وجود سجل جنائي، مع اشتراط إقامة فعلية لعدة أشهر داخل البلاد، بحسب ما ذكرت وكالة "رويترز".

وتُعيد هذه الخطوة فتح سؤال قديم/ جديد: هل تمنح “التسوية” فرصة حقيقية لحياة كريمة، أم تتحول إلى مسار بيروقراطي طويل يزيد هشاشة الناس بدل إنهائها؟ 

وتشير التقارير الميدانية إلى ضغط كبير على مكاتب الهجرة، ونقص في المعلومات التفصيلية، وظهور سماسرة مواعيد يستغلون حاجة المتقدمين، ما يهدد بتحويل حقّ قانوني إلى سباق مُرهق لمن يملك الوقت والمال والقدرة على الوصول.

ما الذي يتضمنه القرار؟

يستند المسار الجديد إلى مرسوم حكومي يختصر الطريق الذي ظل عالقًا في البرلمان، ويمنح المتقدمين إقامة وعملًا مؤقتين (عادة لمدة عام بحسب ما نُشر في تغطيات دولية)، مع فتح الباب لاحقًا للتجديد وفق شروط الإقامة والعمل. 

كما يربط الإجراء شرعيته –في خطاب الحكومة– بمنطق “الاندماج” ومحاربة العمل غير النظامي وتوسيع قاعدة دافعي الضرائب، وهو ما يلقى دعمًا من شبكات مدنية واسعة كانت قد دفعت سابقًا بمبادرة شعبية جمعت أكثر من 700 ألف توقيع وساندتها مئات المنظمات.

ويقارن البعض بين هذه العملية ومحطة عام 2005 حين منحت إسبانيا وضعًا قانونيًا لنحو 570 ألف مهاجر، لكنها تُحذر من أن نجاح ذلك النموذج كان مرتبطًا ببنية إدارية وتمويل وتحضيرات أوضح مما هو قائم اليوم، خاصة مع تجاذبات سياسية وقيود موازنة قد تُبطئ التنفيذ.

زاوية حقوقية.. "الورق" ليس النهاية

تُعدّ التسوية –من منظور حقوق الإنسان– بوابةً لحقوق أساسية كانت مُعلّقة: عقد عمل نظامي، وحماية اجتماعية، وتقليل مخاطر الاستغلال والاتجار، وإتاحة أوضح للوصول إلى السكن والصحة. 

وتصف منظمات أوروبية مختصة باللجوء والحقوق الإجرائية تسوية أوضاع “الآلاف” بأنها “فعل عدالة” يساهم في العيش بكرامة ويمنح اندماجًا فعليًا بدل اقتصاد الظل.

لكنّ منظمات وخبراء يحذرون من أن التجربة قد تُفرز “لامساواة داخل التسوية”: من يجيد اللغة ويمتلك عقد إيجار ثابتًا وأوراقًا كاملة سيعبر بسرعة، بينما قد يتعثر الأكثر هشاشة (نساء يعملن في الخدمة المنزلية، عمال زراعة موسميون، أو أشخاص بلا عقود سكن) عند أول طلب إثبات أو موعد ضائع. 

وتُشير تغطية دولية إلى أن بعض المهاجرين بدؤوا بالفعل الوقوف في طوابير طويلة وشراء “مواعيد” عبر وسطاء غير قانونيين، وهو مؤشر خطير على قابلية المنظومة للاستغلال.

دعم اجتماعي وتحفظات

تُقابل الخطة بترحيب من حركات حقوق المهاجرين داخل إسبانيا، وبانتقادات من المعارضة المحافظة واليمين المتطرف، بينما أظهرت تقارير أن المفوضية الأوروبية أبدت “تحفظات قوية” خشية تعارضها مع توجهات أوروبية أكثر تشددًا في ملف الهجرة والعودة. 

وتُبرز هذه الحساسية أن مدريد تتحرك في مساحة ضيقة بين حاجتها الاقتصادية والاجتماعية للهجرة وبين بيئة أوروبية تميل إلى تشديد الحدود وإجراءات الترحيل.

وتتداخل “التسوية الاستثنائية” مع إصلاحات سابقة في لائحة الهجرة (Reglamento de Extranjería) دخلت حيز التنفيذ في مايو 2025 لتوسيع مسارات “الأرّايغو/التجذر” وتبسيط بعض الإجراءات، لكنها أثارت أيضًا جدلًا حول أثرها على طالبي اللجوء المرفوضين وكيفية احتساب مدة الإقامة.

هل تمنح التسوية حياة جديدة؟

تُجيب التجربة عادةً بأن “التسوية” تنجح عندما تتحول من قرار سياسي إلى منظومة تنفيذ عادلة: مواعيد شفافة، مساعدة قانونية مجانية أو منخفضة الكلفة، توحيد معايير القبول بين الأقاليم، وحماية المتقدمين من السمسرة والابتزاز. 

وتوحي المؤشرات الحالية أن إسبانيا تملك الدافع (اندماج/اقتصاد/حقوق) لكنها تواجه اختبارًا إداريًا حقيقيًا: فإما أن تُدار العملية كجسر إلى العمل الكريم والاستقرار، أو أن تُدار كمتاهة بيروقراطية تُعيد إنتاج الهشاشة بأدوات جديدة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية