مكالمات فدية وغرق في عرض البحر.. كيف تحولت الهجرة إلى كابوس لعائلات مصرية؟
مكالمات فدية وغرق في عرض البحر.. كيف تحولت الهجرة إلى كابوس لعائلات مصرية؟
غادر حمدي إبراهيم قريته الصغيرة في دلتا النيل وهو يحمل أملا بسيطا مثل آلاف الشباب المصريين حلم بالوصول إلى أوروبا والعمل وإرسال المال إلى عائلته، لكن بعد أسابيع من مغادرته، تلقى أفراد أسرته مكالمة صادمة من أحد المهربين في ليبيا يطالبهم بدفع المال فورا وإلا سيلقى ابنهم حتفه في عرض البحر.
وبحسب تقرير نشرته وكالة فرانس برس الأربعاء، طالب المهرب عائلة حمدي بدفع 190 ألف جنيه مصري مقابل تأمين رحلة التهريب عبر البحر المتوسط، وكان المصريون في عام 2025 في صدارة المهاجرين الأفارقة الذين خاطروا بحياتهم للوصول إلى السواحل الأوروبية عبر طرق بحرية شديدة الخطورة.
تهديدات ومكالمات فدية
يقول يوسف شقيق حمدي من قرية كفر عبد الله عزيزة في محافظة الشرقية إن الأسرة لم تكن تملك المال المطلوب، حاول إقناع المهرب بأن الظروف لا تسمح بالدفع، لكن الرد جاء قاسيا حيث أخبره المهرب أن عليهم أن يفعلوا كما فعلت العائلات الأخرى ويدفعوا المبلغ، وإلا سيتم التخلص من حمدي في عرض البحر.
لم تكن عائلة حمدي الوحيدة التي تلقت مثل هذه المكالمات، فبعد أيام من وصول مجموعة من شباب القرية إلى ليبيا، بدأت العائلات تتلقى اتصالات تهديد من مهربين يطالبونهم بالفدية مقابل إبقاء أبنائهم على قيد الحياة.
يقول عبد جودة البالغ من العمر 55 عاما إن شقيقه محمد كان ضمن المجموعة نفسها. ويوضح أن المتصلين هددوا بذبح الشباب أو تركهم في الجبال أو إلقائهم في البحر إذا لم يتم الدفع.
أموال مقترضة وأمل قصير
أمام هذه التهديدات، لم تجد العائلات سوى الاقتراض وبيع ما تملك لتأمين المبالغ المطلوبة، ودفع البعض مدخراتهم القليلة، بينما اضطر آخرون للاستدانة من الأقارب والجيران على أمل إنقاذ أبنائهم.
لكن الأمل لم يدم طويلا، وبعد أسابيع قليلة، وصل خبر غرق قارب قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية، وأسفر الحادث عن مقتل 17 شخصا بينهم 6 من أبناء القرية، فيما فقد 15 آخرون بينهم حمدي ومحمد.
أرقام تعكس حجم المأساة
تشير البيانات إلى أن أكثر من 17000 مصري عبروا البحر المتوسط خلال عام 2025، وهو الطريق الأخطر في العالم بالنسبة للمهاجرين، وخلال العام نفسه تم تسجيل 1328 حالة وفاة أو فقدان لمهاجرين من جنسيات مختلفة وفقا لبيانات الأمم المتحدة ووكالة فرونتكس الأوروبية.
قرية تعيش على الانتظار
في قرية عبد الله عزيزة تبدو الحياة هادئة من الخارج، لكن خلف الهدوء تختبئ حكايات خوف وانتظار، فقنوات الري المتصدعة تمر عبر حقول جافة، والطرق المتهالكة تعرقل حركة العربات الصغيرة وتنتشر المباني غير المكتملة بين الأراضي الزراعية القديمة، فيما تعيش العائلات على أعمال يومية بسيطة أو تجارة محدودة.
داخل أحد المنازل، يجتمع أقارب المفقودين حول هواتفهم المحمولة يتصفحون مجموعات واتساب وفيسبوك بحثا عن أي صورة أو خبر قد يقودهم إلى أبنائهم، الوجوه الضبابية والمعلومات غير المؤكدة أصبحت جزءا من يومياتهم.
يقول رفعت عبد الصمد صيدلي القرية إن نصف شبابها يفكرون في الهجرة غير الشرعية، ويضيف أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة دفعت الكثيرين إلى البحث عن أي فرصة خارج البلاد.
في ذلك العام، وصل أكثر من 21 ألف مهاجر مصري إلى السواحل الأوروبية وفقا لبيانات الأمم المتحدة، ليكون المصريون من بين أكبر الجنسيات التي سلكت هذا الطريق.
دوافع اقتصادية قاسية
يوضح تيموثي كلدس من معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط أن اليأس والانهيار الاقتصادي يلعبان دورا حاسما في قرار الهجرة، فالشباب الذين لا يرون مستقبلا واضحا داخل بلادهم يصبحون أكثر استعدادا للمخاطرة.
كان حمدي يعمل سباكا ويكسب نحو 500 جنيه أسبوعيا، وهو مبلغ بالكاد يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية، يقول شقيقه إنه كان يحلم بتحسين مستوى معيشة العائلة، وكان يكرر دائما رغبته في مساعدة أخته على الزواج.
طريق ليبيا الأكثر خطورة
توضح منصة اللاجئون المصريون أن تشديد الرقابة على السواحل المصرية منذ عام 2016 دفع المهاجرين إلى التوجه غربا عبر ليبيا، وهناك يعبرون الصحراء في حافلات أو شاحنات صغيرة قبل الوصول إلى شبكات التهريب.
وتؤكد منظمة إس أو إس ميديتيرانيه أن الناجين من هذه الرحلات تحدثوا عن تعرضهم لاعتقالات تعسفية وتعذيب وحرمان من الطعام والعمل القسري.
في عام 2024 وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقية للتنمية الاقتصادية مع مصر بقيمة 7.4 مليار يورو بهدف الحد من تدفق المهاجرين، لكن خبراء يرون أن تشديد الرقابة وحده لا يكفي إذا لم تتحسن الظروف المعيشية داخل البلاد.
مأساة تتكرر
في قرية كفر مصطفى أفندي بمحافظة الشرقية ما تزال العائلات تبكي أبناءها الذين غرقوا في كارثة سفينة أدريانا قبالة سواحل اليونان في يونيو 2023، كان على متن السفينة نحو 750 شخصا، نجا منهم 104 فقط.
كان إسلام وسيد وهما ابنا عم يبلغان 18 عاما ضمن ركاب تلك الرحلة، جمعت عائلتاهما 140 ألف جنيه للمهربين، لكن المال لم يكن كافيا لإنقاذهما من المصير نفسه الذي يهدد كثيرين.
البعض ينجح في الوصول
على الجانب الآخر، ينجح بعض الشباب في الوصول إلى أوروبا، فحسن درويش البالغ 24 عاما غادر الشرقية في عام 2023 بعد أن ضاقت به الظروف يعيش اليوم في روما ويكسب نحو 580 يورو شهريا، وهو مبلغ يقول إنه لم يكن ممكنا تحقيقه في مصر.
يؤكد حسن أنه عانى كثيرا خلال الرحلة، لكنه رغم ذلك مستعد لتكرارها مرة أخرى إذا عاد به الزمن إلى الوراء.
تعد الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط أحد أخطر مسارات الهجرة في العالم، حيث يسلك المهاجرون طرقا بحرية غير آمنة على متن قوارب متهالكة تديرها شبكات تهريب عابرة للحدود، يعتمد المهربون على استغلال أوضاع الفقر والبطالة والنزاعات في دول المصدر، ويجبرون المهاجرين أحيانا على دفع فديات إضافية تحت التهديد أو الاحتجاز، وتشير تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى أن آلاف المهاجرين يفقدون حياتهم سنويا في هذا الطريق بسبب الغرق أو الجوع أو العنف الذي يتعرضون له في مراكز الاحتجاز غير الرسمية، وفي السنوات الأخيرة، أصبحت ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين من مصر ودول إفريقية أخرى، رغم المخاطر الكبيرة المرتبطة بالمرور عبر أراضيها بسبب انتشار شبكات التهريب والجماعات المسلحة وضعف مؤسسات الدولة.










