مجلس حقوق الإنسان يناقش أوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين
أكد ضرورة تعزيز حمايتهم وضمان استقلال الآليات الدولية
أوصت المقررة الخاصة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان بضرورة اتخاذ الدول إجراءات عملية وعاجلة لضمان بيئة آمنة ومواتية لعمل المدافعين، مؤكدة أن حمايتهم ليست خيارًا سياسيًا بل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا.
وشددت على أن القيود المتزايدة على الحيز المدني، وتجريم النشطاء، وتقييد التمويل، وحملات التشويه، تمثل تحديات خطيرة تهدد جوهر منظومة حقوق الإنسان، داعية إلى تعزيز استقلال الإجراءات الخاصة وعدم المساس بولايتها أو تقليص مواردها.
جاء ذلك خلال حوار تفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان، ماري لولور، ضمن فعاليات الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان، في الاجتماع الخامس عشر المنعقد في إطار البند الثاني من جدول الأعمال، حيث قدمت تقريرها المعنون بـ"الدفاع عن الكرامة والمطالبة بالحقوق"، وسط مشاركة واسعة من الدول الأعضاء والمجموعات الإقليمية ووكالات الأمم المتحدة.
أصوات من الميدان
استهلت لولور كلمتها بالتأكيد على أهمية نقل أصوات المدافعين مباشرة إلى المجلس، معتبرة أن وجودهم يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من عمله، رغم أن وصولهم إلى آلياته أصبح أكثر تقييدًا.
وأشارت إلى أن المدافعين هم “أشخاص عاديون يقومون بعمل استثنائي”، مدفوعين بالأمل والإيمان بعالم أكثر عدلًا.
وتطرقت إلى زياراتها الأخيرة إلى البوسنة وسريلانكا، مثمنة تعاون السلطات، لكنها لفتت إلى أن المدافعين في بعض السياقات يعملون في بيئات منقسمة سياسيًا ومجتمعيًا، حيث لا تزال آثار النزاعات السابقة حاضرة، ويتفاقم تأثير الفساد والتمييز والنهج الأبوي، ما يزيد من هشاشة الحيز المدني.
وأكدت أن النساء يتصدرن نضالات حقوق الإنسان، لكنهن يواجهن مخاطر مضاعفة، مشيرة إلى استهداف المدافعين البيئيين بدعاوى قضائية مطولة تهدف إلى إسكاتهم، فضلًا عن تصاعد خطاب الكراهية، لا سيما ضد مجتمع الميم، عبر الفضاء الرقمي.
أكثر من 300 مساهمة
وأوضحت المقررة أنها تلقت أكثر من 300 مساهمة من مدافعين ومنظمات من 82 دولة وإقليمًا، عكست جميعها شعورًا متزايدًا بأن الدول تتخلى عن التزاماتها الدولية تحت ذرائع الأمن أو القومية أو التقاليد.
وقالت إن المدافعين يتحملون مسؤولية الحفاظ على وعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في وقت تتراجع فيه الإرادة السياسية، وتتقلص الموارد، وتتعرض منظمات عديدة للانهيار بسبب التخفيضات التمويلية، خاصة في سياقات مثل أفغانستان.
وأضافت أن كثيرًا من الدول تنظر إلى المدافعين باعتبارهم المشكلة، بدلًا من معالجة القضايا التي يسلطون الضوء عليها، ما يؤدي إلى تجريمهم أو استهدافهم أو وصمهم، مؤكدة أن لا أحد يولد مدافعًا، بل يصقله الظلم الذي يشهده في مجتمعه.
استقلال الإجراءات الخاصة
مع اقتراب نهاية ولايتها التي استمرت ست سنوات، حذرت لولور من أي محاولة لإضعاف الإجراءات الخاصة أو تقليص استقلاليتها، معتبرة أنها من بين الآليات القليلة القادرة على إيصال أصوات المهمشين دون تأثير سياسي غير مبرر.
ودعت إلى تطوير آليات الأمم المتحدة لتصبح أكثر استجابة ومرونة وفاعلية، مشيرة إلى وجود مقترحات إجرائية لا تتطلب موارد ضخمة بل إرادة إصلاحية.
وخلال الجلسة تحدثت النرويج نيابة عن مجموعة من الدول، مؤكدة الحاجة إلى دعم أساسي مرن للمدافعين ومنظماتهم، بما في ذلك تمويل الاستجابة للطوارئ، والدعوة إلى الامتناع عن تجريم تلقي الموارد من الخارج، كما دعت إلى تجديد الولاية دعمًا لاستمرارية عملها.
تصاعد القيود القانونية
وجدد الاتحاد الأوروبي دعمه القوي للولاية، معربًا عن قلقه من تصاعد القيود القانونية والتشريعية، والتخفيضات التمويلية، والقمع العابر للحدود، مؤكدًا أهمية التواصل مع المدافعين، ومراقبة محاكماتهم، والدعوة إلى الإفراج عن المحتجزين تعسفيًا.
ومن جانبها، أصدرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيسف بيانًا مشتركًا رحبت فيه بالتقرير، مسلطة الضوء على المخاطر المتزايدة التي تواجه المدافعات عن حقوق الإنسان، لا سيما العنف الإلكتروني الذي تتعرض له نسبة كبيرة من النساء، ودعت إلى أطر حماية تراعي النوع الاجتماعي والعمر.
وأكدت جمهورية الكونغو الديمقراطية التزامها بحماية الحيز المدني عبر إصلاحات تشريعية، معربة عن قلقها من تهديد الجماعات المسلحة في شرق البلاد لسلامة المدافعين.
وفي المقابل، شددت الصين على ضرورة احترام القانون، معتبرة أن صفة المدافع لا تعفي من المساءلة القانونية، مع استعدادها للحوار القائم على الاحترام المتبادل.
واستعرضت غواتيمالا سياستها العامة لحماية المدافعين، التي تشمل آليات خاصة للصحفيين والمدافعين البيئيين، فيما أشارت المكسيك إلى آلية الحماية المنشأة منذ عام 2012، مؤكدة أهمية إشراك المجتمع المدني في اتخاذ قرارات الحماية.
دعم المدافعات عن الحقوق
وأكدت أرمينيا أهمية الحوار مع المجتمع المدني في إطار الاحترام المتبادل، مشيرة إلى دور المدافعين في التحول الديمقراطي في بلادها، كما شدد صندوق الأمم المتحدة للسكان على أهمية دعم المدافعات عن الحقوق الجنسية والإنجابية، خاصة الشابات.
وتطرقت فلسطين إلى ما وصفته باستهداف المدافعين بسبب تعاونهم مع آليات المساءلة الدولية، مطالبة بخطوات عملية لضمان حمايتهم. وأعربت لوكسمبورغ عن قلقها من أزمة الصحة النفسية بين المدافعين نتيجة الإرهاق والعزلة، مؤكدة ضرورة مكافحة التضليل الإعلامي.
ومن جهتها، شددت بوركينا فاسو وكوبا على أن الحماية لا تعني الإعفاء من الالتزام بالقوانين الوطنية، فيما أكدت التشيك دعمها للولاية ودعت إلى الامتناع عن إصدار تشريعات تقيد عمل المدافعين بذريعة التمويل الأجنبي، وأشارت الإكوادور إلى جهودها المؤسسية لتعزيز سياسة شاملة لحماية المدافعين.
سيادة القانون والمساءلة
اختُتم الحوار بتأكيد واسع على أن حماية المدافعين تمثل شرطًا أساسيًا لبناء مجتمعات قائمة على سيادة القانون والمساءلة والعدالة.
وشددت المقررة الخاصة على أن الدفاع عن الحقوق ليس نشاطًا هامشيًا، بل هو جوهر العقد الاجتماعي الحديث، داعية الدول إلى الانتقال من التعهدات الخطابية إلى التدابير العملية، وضمان ألا يُترك من يطالب بالعدالة وحيدًا في مواجهة التهديدات.











