أفغانستان على حافة المجاعة.. ملايين الأطفال في مواجهة سوء التغذية
أفغانستان على حافة المجاعة.. ملايين الأطفال في مواجهة سوء التغذية
تشهد أفغانستان واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، حيث يتصاعد سوء التغذية بين الأطفال بوتيرة مقلقة في ظل تدهور اقتصادي حاد وتراجع في حجم المساعدات الدولية، وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن البلاد سجلت خلال العام الماضي أعلى مستويات سوء التغذية الحاد بين الأطفال، مع توقعات بارتفاع عدد الحالات بنحو 200 ألف طفل إضافي خلال عام 2026. ويعكس هذا التصاعد اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرات المتاحة للاستجابة، خاصة في المناطق الريفية الأكثر هشاشة.
وتكشف أحدث التقديرات أن نحو 3.7 مليون طفل دون سن الخامسة سيعانون من سوء التغذية الحاد خلال عام 2026، بينهم ما يقارب 942 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو أخطر أشكال نقص التغذية، كما ارتفعت معدلات الإصابة بنحو 7% مقارنة بالعام السابق، ما يشير إلى تسارع مقلق في تدهور الوضع الغذائي بحسب بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.
التقزم والهزال
ولا تقف الأزمة عند حدود الأرقام السنوية، إذ تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” إلى أن نحو 41% من الأطفال في أفغانستان يعانون من التقزم نتيجة سوء التغذية المزمن، في حين تبلغ نسبة الهزال الحاد نحو 9.5%. كما أن 12% فقط من الأطفال يحصلون على نظام غذائي متوازن، ما يعكس خللاً هيكلياً في أنماط التغذية والرعاية الصحية وفق منظمة اليونيسف.
وتشير تقديرات إضافية إلى أن نحو 3.5 مليون طفل يعانون من الهزال، بينهم 1.4 مليون طفل معرضون بشكل مباشر لخطر الوفاة، مع تركز أكثر من 85% من الحالات بين الأطفال دون سن الثانية، وهي مرحلة حاسمة في النمو الجسدي والعقلي، وتعكس هذه الأرقام حجم التهديد الذي يطول الأجيال القادمة في البلاد.
الأمن الغذائي
وعلى مستوى الأمن الغذائي العام، يواجه نحو 17.4 مليون شخص مستويات حادة من الجوع، في حين يحتاج حوالي 4.9 مليون امرأة وطفل إلى علاج من سوء التغذية، وهو أعلى رقم مسجل في البلاد حتى الآن، كما يعيش ثلث السكان في مستويات أزمة أو طوارئ غذائية، ما يعكس اتساع نطاق الأزمة لتشمل مختلف شرائح المجتمع بحسب برنامج الأغذية العالمي.
ويُعد تراجع التمويل الدولي أحد أبرز العوامل التي أسهمت في تفاقم الأزمة، خاصة منذ عام 2021 عقب التحولات السياسية وسيطرة حركة طالبان على الحكم، فقد أدى انخفاض الدعم المالي إلى تقليص برامج الإغاثة بشكل كبير، حيث لا تتوفر الموارد حالياً إلا لعلاج طفل واحد فقط من كل أربعة أطفال يحتاجون إلى رعاية عاجلة، ما يترك ملايين الأطفال دون تدخل علاجي.
تداعيات الانهيار الاقتصادي
كما أسهم الانهيار الاقتصادي في تعميق الأزمة؛ إذ أدى فقدان الوظائف وارتفاع معدلات الفقر إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر، ما حدّ من قدرتها على تأمين الغذاء الكافي، وتفاقمت هذه الأوضاع مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً، ما انعكس بشكل مباشر على الأسواق المحلية في أفغانستان، حيث أصبحت السلع الأساسية بعيدة المنال بالنسبة لشريحة واسعة من السكان وفق البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وقد شهد اقتصاد أفغانستان انهياراً حاداً منذ عام 2021، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 20% و30% خلال عامي 2021 و2022، في واحدة من أعمق حالات الانكماش الاقتصادي عالمياً، وفق تقديرات البنك الدولي، وترافق هذا التراجع مع تجميد أصول مالية خارجية تُقدّر بنحو 9 مليارات دولار، ما أدى إلى شلل واسع في النظام المالي وانخفاض حاد في السيولة، كما ارتفعت معدلات الفقر لتشمل أكثر من 90% من السكان، مع فقدان مئات الآلاف من الوظائف وتراجع متوسط دخل الفرد بشكل ملحوظ بحسب تقارير البنك الدولي، وفي الوقت ذاته، أدى انهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الغذاء إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث يواجه أكثر من 20 مليون شخص مستويات حادة من الجوع، في حين يعاني ما بين 3 و4 ملايين طفل من سوء تغذية حاد، ما يعكس ترابطاً مباشراً بين الانهيار الاقتصادي والتدهور الإنساني في البلاد.
الصراعات وعدم الاستقرار
وترتبط الأزمة الحالية بسياق تاريخي طويل من الصراعات وعدم الاستقرار، ما أدى إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، وقد جعل هذا الإرث البلاد أكثر هشاشة أمام الصدمات الاقتصادية والمناخية، وأسهم في تعميق الاعتماد على المساعدات الخارجية.
ولا تقتصر تداعيات سوء التغذية على الجانب الصحي، إذ تؤكد يونيسف أن الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد أكثر عرضة للوفاة بمقدار 11 مرة مقارنة بغيرهم، كما يؤدي نقص التغذية إلى تأخر النمو الجسدي والعقلي، ما ينعكس سلباً على التحصيل التعليمي والقدرات الإنتاجية مستقبلاً، ويكرّس دائرة الفقر عبر الأجيال.
وتزيد التوترات الإقليمية، خاصة الأخيرة مع باكستان، من تعقيد الوضع، حيث تؤثر القيود الحدودية والتوترات الأمنية في حركة التجارة وتدفق المساعدات الإنسانية، ما يحد من وصول الإمدادات الغذائية إلى المناطق الأكثر تضرراً.
الأزمات المناخية
وفي سياق متصل، تلعب الأزمات المناخية دوراً محورياً في تفاقم انعدام الأمن الغذائي في أفغانستان، حيث شهدت البلاد موجات جفاف متكررة أدت إلى انخفاض إنتاج المحاصيل الزراعية بشكل كبير. كما أسهمت التغيرات المناخية في تقليص الموارد المائية، ما أثر بشكل مباشر في الزراعة والثروة الحيوانية، وهما المصدران الرئيسيان للغذاء والدخل، ما أدى إلى تراجع توافر الغذاء وارتفاع معدلات سوء التغذية بحسب منظمة الأغذية والزراعة "FAO".
كما أدت الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ، مثل الفيضانات والسيول والزلازل، إلى تدمير الأراضي الزراعية والبنية التحتية، ما عوّق سلاسل الإمداد الغذائي ورفع معدلات النزوح الداخلي. وقد أسهم ذلك في زيادة الضغط على الموارد المحدودة في المناطق المستقبِلة، ما أدى إلى تفاقم نقص الغذاء وارتفاع معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء.
ودعت منظمات حقوقية دولية، منها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية في بيانات لها، إلى ضرورة زيادة التمويل الإنساني وفصل المساعدات عن الاعتبارات السياسية، مؤكدة أن استمرار القيود على التمويل قد يشكل انتهاكاً للحق في الغذاء، وهو حق أساسي مكفول بموجب القانون الدولي.
وتؤكد الأمم المتحدة أن الحق في الغذاء يعد من الحقوق الأساسية المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، داعية إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون معوقات، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، في ظل اتساع الفجوة بين الاحتياجات والاستجابة.
ورغم الجهود المبذولة، تواجه المنظمات الإنسانية تحديات كبيرة تشمل نقص التمويل وصعوبات الوصول إلى المناطق النائية، حيث تشير تقديرات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن الفجوة التمويلية تمثل عائقاً رئيسياً أمام توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية.
وتشير المعطيات إلى أن الأزمة مرشحة للتفاقم في حال استمرار العوامل الحالية دون معالجة، خاصة مع توقع إضافة 200 ألف طفل جديد إلى قائمة المصابين بسوء التغذية خلال العام الجاري، ويؤكد خبراء الإغاثة أن التدخل الدولي العاجل وزيادة التمويل يمثلان عاملاً حاسماً في الحد من تفشي الأزمة وإنقاذ ملايين الأطفال من مخاطر صحية وإنسانية جسيمة.











