حقوق ذوي الإعاقة في كولومبيا في اختبار الملاحظات الأممية
أمام الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان
على طاولة مجلس حقوق الإنسان، وفي دورته الحادية والستين المنعقدة بين 23 فبراير و31 مارس، يحضر ملف حقوق ذوي الإعاقة من بوابة كولومبيا، عبر تقرير المقررة الخاصة المعنية بحقوقهم، هبة هجرس، عقب زيارتها الرسمية للبلاد في يوليو 2025.
والتقرير الأممي، الواقع في 19 صفحة، يرسم صورة مزدوجة عن الإطار القانوني المتقدم من جهة، والفجوة التنفيذية المقلقة من جهة أخرى، إذ يعترف بأن كولومبيا خطت خطوات معيارية مهمة في تنفيذ اتفاقية حقوق ذوي الإعاقة التي صادقت عليها عام 2011.
وفي هذا السياق اعتمدت كولومبيا تشريعات إصلاحية، أبرزها القانون رقم 1996 لسنة 2019 بشأن الأهلية القانونية، إلى جانب سياسات للتعليم الشامل وإصلاحات في قطاع العمل، كما أنشئ النظام الوطني للإعاقة بموجب القانون 1145 لسنة 2007 لتعزيز تنسيق السياسات العامة بالشراكة مع منظمات ذوي الإعاقة والمجتمع المدني.
فجوة بين الالتزام والتنفيذ
غير أن التقرير يسلط الضوء أيضاً على فجوة واضحة بين الالتزام الوطني والتنفيذ المحلي، خصوصاً في المناطق الريفية والمتأثرة بالنزاع المسلح، فالعنف الممتد منذ عقود، رغم توقيع اتفاق السلام عام 2016، ما زال يلقي بظلاله على المدنيين.
ويقول التقرير إن هذا العنف يضاعف هشاشة الأشخاص ذوي الإعاقة، سواء من كانوا يعانون إعاقة سابقة أو من اكتسبوها جراء النزاع والألغام والتهجير القسري، حيث تتراجع الخدمات الأساسية ويصبح الوصول إلى الصحة والتعليم والرعاية تحدياً يومياً.
وتشير المعطيات الرسمية إلى وجود نحو 2.8 مليون شخص ذي إعاقة، أي ما يعادل 6 بالمئة من السكان، وهي نسبة أدنى بكثير من المتوسط العالمي البالغ نحو 16% بالمئة.
لكن التقرير ينبه إلى غياب نظام بيانات موحد ومنهجي، وتضارب الإحصاءات بين المصادر المختلفة، ما يعرقل تصميم سياسات عامة فعّالة قائمة على الأدلة.
معوقات هيكلية وسلوكية
وبشأن إمكانية الوصول، يصف التقرير المعوقات بأنها "هيكلية وسلوكية" في ذات الوقت، حيث تعود المباني الحكومية إلى الحقبة الاستعمارية التي لم تهيأ وفق معايير الوصول الشامل، كما تفتقر وسائل النقل العام والجوي إلى الترتيبات التيسيرية، في حين تغيب الإشارات اللمسية والصوتية الداعمة لذوي الإعاقة البصرية، ورغم وجود آليات لتوفير مترجمي لغة الإشارة بموجب القانون رقم 982 لسنة 2005، فإن مركز الإعارة الخاص بهم كان غير نشط أثناء الزيارة الأممية.
وتشكل قضية الأهلية القانونية والوصول إلى العدالة محورياً بالغ الحساسية. فرغم إلغاء نظم الوصاية التقليدية، لا يزال بعض المشغلين القضائيين يفتقرون إلى المعرفة الكافية بطبيعة نظام الدعم القائم على احترام الإرادة والاستقلالية.
وقد أبلغ أشخاص ذوو إعاقة عن صعوبات في الزواج، وإدارة الممتلكات، وفتح حسابات مصرفية، ومنح الموافقة الطبية الحرة والمستنيرة، كما تعاني المباني القضائية من معوقات مادية، مع نقص ملحوظ في مترجمي لغة الإشارة.
وتواجه النساء والفتيات ذوات الإعاقة تمييزاً مضاعفاً، فالوصول إلى العدالة الجنائية غالباً ما يُشترط بمرافقة أحد أفراد الأسرة أو تقديم اتفاق دعم، دون تقييم فردي.
كما يظل الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية محدوداً، وسط تقارير عن ممارسات منع حمل قسري وانتهاك الحق في اتخاذ القرار بشأن الجسد وتكوين الأسرة، حيث تزداد مخاطر العنف الجنسي والعنف الأسري في ظل الصور النمطية المرتبطة بنقص الأهلية.
معدلات الإدماج متدنية
واقتصادياً، لا تزال معدلات إدماج ذوي الإعاقة في سوق العمل متدنية، إذ تبلغ نسبتهم 25.2 بالمئة مقابل 66.4 بالمئة لغير ذوي الإعاقة، رغم وجود مراسيم تحدد حصصاً للإدماج في القطاع العام، كما لا توجد إعانة مخصصة لتغطية النفقات الإضافية المرتبطة بالإعاقة، ما يعمق الفوارق الاجتماعية.
ورغم هذه التحديات، يسجل التقرير التزاماً سياسياً ومعيارياً مهماً، تجلى في إنشاء وزارة المساواة والإنصاف واعتماد سياسة وطنية للرعاية عام 2025 تعترف بالحق في الرعاية في ظروف كريمة، خصوصاً في المجتمعات الريفية وبين الأقليات العرقية.
ويختتم التقرير بجملة توصيات جوهرية، أبرزها التصديق على البروتوكول الاختياري للاتفاقية، وتعزيز الآلية الوطنية المستقلة للرصد وفق المادة 33، واستثمار الموارد في حملات التوعية من منظور حقوق الإنسان، ووضع إرشادات تفصيلية للتعديلات المعقولة في جميع الخدمات العامة، وتسريع تهيئة البنية التحتية والنقل وفق معايير الوصول الشامل، وجعل معايير الإدماج وإمكانية الوصول شرطاً إلزامياً في التعاقدات العامة، وضمان إعادة التأهيل الشامل لضحايا النزاع المسلح.
وتجربة كولومبيا، كما يعرضها التقرير الأممي، تؤكد أن التقدم التشريعي لا يكتمل إلا حين يتحول إلى واقع ملموس يضمن المساواة الفعلية والاستقلالية والكرامة الإنسانية، فحقوق ذوي الإعاقة ليست نصوصاً تُدرج في القوانين، بل التزام يومي بتمكينهم من العيش الكامل والمشاركة الحرة في مجتمع لا يُقصي أحداً.











