الأطفال أول الضحايا.. 4 مليارات نسمة في مرمى "السمنة" بحلول 2035
الأطفال أول الضحايا.. 4 مليارات نسمة في مرمى "السمنة" بحلول 2035
يشير أحدث التقديرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن ما يقارب أربعة مليارات شخص في العالم سيعانون من زيادة الوزن أو السمنة بحلول عام 2035، وهو رقم يعادل تقريباً نصف سكان الأرض، ما يجعل هذه الظاهرة من كبرى التحديات الصحية والاقتصادية في التاريخ الحديث، وتشير البيانات إلى أن هذه الزيادة السريعة لا تقتصر على البلدان عالية الدخل فحسب، بل تتسع بسرعة في الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض، ما يعكس انتقالاً حاداً في أنماط التغذية ونمط الحياة خلال العقود القليلة الماضية.
تُظهر الإحصاءات أن معدلات السمنة قد تضاعفت تقريباً منذ عام 1975 في العديد من دول العالم، وأن عدد الأشخاص المصابين بالسمنة العالمية تضاعف ثلاث مرات بين عامي 1975 و2025، في حين يتوقع الخبراء أن يستمر هذا الاتجاه التصاعدي حتى عام 2035، ويؤكد هذا الانتشار المتسارع أن السمنة لم تعد مشكلة خاصة ببعض الفئات، بل أصبحت وباءً عالمياً يتطلب استجابة عاجلة من الحكومات والمؤسسات الصحية، وفق منظمة الصحة العالمية.
لا تقتصر أبعاد هذه الأزمة على البالغين، إذ تتزايد معدلات السمنة بين الأطفال بشكل لافت، حيث تضاعفت تقريباً خمسة أضعاف بين الأطفال في سن المدرسة منذ عام 1975، ويعكس هذا الارتفاع التحوّل في أنماط التغذية المبكرة، مع زيادة استهلاك المنتجات عالية السعرات والدهون والسكريات، إضافة إلى انخفاض مستويات النشاط البدني، ما يجعل الأطفال أكثر هشاشة أمام مخاطر الأمراض المزمنة في مراحل عمر مبكرة، وفق إحصاءات سمنة الأطفال الصادرة عام 2025 عن منظمة الصحة العالمية.
الأمراض المزمنة
تُعد السمنة عامل خطر رئيسياً للعديد من الأمراض المزمنة التي ترفع من العبء الصحي على الأفراد والأنظمة الصحية. فالأشخاص الذين يعانون من السمنة يواجهون مخاطر عليا للإصابة بمرض السكري من النوع 2، وأمراض القلب والشرايين، وارتفاع ضغط الدم، وبعض أنواع السرطان، إضافة إلى مشاكل في الجهاز العضلي الهيكلي. وتقول دراسات صحية إن 70% من حالات السكري من النوع 2 مرتبطة بزيادة الوزن والسمنة، في حين تُقدَّر التكاليف الصحية المرتبطة بمعالجة الأمراض المرتبطة بالسمنة بمليارات الدولارات سنوياً في مختلف أنحاء العالم، بحسب تقرير الأمراض غير السارية لعام 2024.
أسباب الانتشار
ترتبط أسباب انتشار السمنة بمجموعة من العوامل المعقدة، منها التغيرات في أنماط الغذاء العالمية، مع انتشار الأطعمة الجاهزة والسريعة والغنية بالسعرات الحرارية، إلى جانب أسلوب الحياة الخامل الذي يتزايد بسبب التحضر، والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، وتراجع النشاط البدني، كما تسهم الإعلانات المكثفة للمنتجات الغذائية غير الصحية والعادات الثقافية المرتبطة بتناول الطعام في رفع معدلات استهلاك السكريات والدهون بشكل غير متوازن.
في العديد من الدول تلعب العوامل الاجتماعية والاقتصادية دوراً بارزاً في ارتفاع معدلات السمنة، حيث ترتفع الإصابة بين الفئات ذات الدخل المنخفض بسبب محدودية الوصول إلى الغذاء الصحي، وغلاء تكاليف الخيارات الغذائية الصحية مقارنة بالبدائل الرخيصة عالية السعرات، كما يؤدي نقص الوعي الصحي وعدم وجود بنية تحتية مواتية للنشاط البدني (مثل الحدائق ومسارات المشي) إلى تعميق المشكلة في المدن الكبرى.
طرق استجابة متنوعة
وتستجيب الحكومات لهذه الأزمة بطرق مختلفة، فبعض الدول اعتمدت سياسات للتقليل من الاستهلاك المفرط للسكريات والدهون، مثل فرض ضريبة على المشروبات الغازية، وتشجيع برامج التغذية الصحية في المدارس والمجتمعات، إضافة إلى حملات توعية للترويج للنشاط البدني، وتشير بيانات من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن البلدان التي طبقت ضريبة على السكريات شهدت انخفاضاً نسبياً في استهلاك المشروبات عالية السكر بنسبة تصل إلى 15% خلال السنوات الأولى بعد التطبيق، بحسب تقرير السياسات الغذائية 2024 لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
اليوم العالمي للسمنة
على المستوى الدولي، أضحت السمنة قضية مركزية في اليوم العالمي للسمنة الذي يُحتفل به في الرابع من مارس من كل عام منذ عام 2020، بهدف زيادة الوعي بتداعيات المرض وتعزيز الحلول الوقائية والعلاجية، وتدعو منظمة الصحة العالمية والمنظمات الشريكة إلى إستراتيجيات متعددة القطاعات تشمل تحسين الأنظمة الغذائية، تعزيز النشاط البدني، وتطوير برامج رعاية صحية شاملة للحد من انتشار السمنة، وفق منظمة الصحة العالمية.
مخاطر ومخاوف
وتبرز عدة تقارير حقوقية دولية مخاوف تتعلق بـ“الأمن الغذائي وحقوق الصحة العامة”، حيث تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أن الفئات الضعيفة -خاصة الأطفال والنساء- تتأثر بشكل غير متناسب بالقيود الاقتصادية على الخيارات الغذائية الصحية، معتبرةً أن الحق في الغذاء الصحي والنشاط الآمن جزء من حقوق الإنسان الأساسية التي ينبغي للدول ضمانها دون تمييز.
وتوضح الأمم المتحدة أنه في السياق القانوني الدولي، يشدد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن للدول التزامات في حماية الحق في الصحة، ومنه توفير بيئات صحية وتقليل العوامل التي تسهم في انتشار الأمراض المزمنة مثل السمنة، كما تدعو توصيات الأمم المتحدة الدول إلى تبني سياسات غذائية وصحية تحمي الأطفال والعائلات من مخاطر الاستهلاك غير الصحي الذي يؤدي إلى زيادة الوزن.
لم تقتصر مخاطر السمنة على الجانب الصحي فحسب، بل امتدت إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية، إذ تؤثر في الإنتاجية الوطنية بسبب ارتفاع نسب التغيب عن العمل وزيادة التكاليف الطبية، إضافة إلى تأثيرات نفسية واجتماعية ترتبط بانعدام الثقة بالنفس والعزلة الاجتماعية، خاصة بين الأطفال والمراهقين الذين يعانون من الوزن الزائد في سن مبكرة.
وفي خلفية تاريخية، لم تكن السمنة بهذا الانتشار قبل منتصف القرن العشرين، إذ ارتبطت في السابق بنقص الغذاء وسوء التغذية. غير أن التحول في نمط الإنتاج الغذائي العالمي -مع انتشار الوجبات السريعة والمشروبات السكرية منذ السبعينيات- أسهم في تحول السمنة إلى وباء عالمي يطول جميع الفئات العمرية والمناطق الجغرافية.
وتشير التوقعات إلى أن الزيادة السكانية والتحضر السريع يضافان بوصفهما عاملين إضافيين في تفاقم معدلات السمنة، إذ يعيش أكثر من 55% من سكان العالم حالياً في المناطق الحضرية، حيث ترتفع معدلات البدانة مقارنة بالمناطق الريفية بسبب أنماط الحياة غير النشطة والوصول المتزايد إلى الأطعمة المصنعة، وفق تقرير التحضر 2025 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة.
وتختم هذه الأرقام بأن اهتمام المجتمع الدولي بالسمنة يجب أن يتجاوز الاحتفاء بيوم عالمي واحد، إلى تنفيذ سياسات وطنية وإقليمية مستدامة، تشمل برامج غذائية وصحية، وتعاوناً دولياً لتبادل الخبرات، وضمان دعم الفئات الأكثر عرضة للخطر، وإدماج التعليم الصحي في المناهج المدرسية.











