دعوات لتعزيز التعاون الدولي لمكافحة بيع الأطفال والاستغلال الجنسي

ضمن فعاليات الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان

دعوات لتعزيز التعاون الدولي لمكافحة بيع الأطفال والاستغلال الجنسي
المقررة الخاصة المعنية ببيع الأطفال واستغلالهم جنسياً والاعتداء عليهم، ماما فاطمة سينغادي

أوصى المشاركون في مجلس حقوق الإنسان بضرورة تعزيز التعاون الدولي وتطوير الأطر القانونية والتقنية لمكافحة بيع الأطفال واستغلالهم جنسياً والاعتداء عليهم، في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها البيئة الرقمية وتداخل الأزمات العالمية، مؤكدين أهمية اعتماد نهج شامل يركز على الوقاية وحماية الضحايا وتعزيز المساءلة.

وجاء ذلك خلال الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية ببيع الأطفال واستغلالهم جنسياً والاعتداء عليهم، ماما فاطمة سينغادي، اليوم الاثنين، والذي عقد ضمن الاجتماع الثالث والعشرين للبند الثاني من جدول أعمال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث قدمت المقررة الخاصة تقريرها النهائي حول أعمال ولايتها خلال السنوات الست الماضية.

وفي مستهل كلمتها، أعربت المقررة الخاصة عن اعتزازها بتقديم تقريرها الختامي أمام المجلس، مشيرة إلى أنها أمضت خلال فترة ولايتها السنوات الماضية في العمل عبر مناطق مختلفة ومؤسسات متعددة، والتواصل مع الأطفال وأسرهم والعاملين في الخطوط الأمامية والحكومات ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إضافة إلى التفاعل مع المجتمعات الرقمية التي أصبحت جزءاً متزايد الأهمية من واقع حياة الأطفال.

وأكدت أن حماية الأطفال من البيع والاستغلال الجنسي والاعتداء عليهم لا تمثل مجرد التزام قانوني للدول، بل تعد واجباً أخلاقياً يعكس هوية المجتمع الدولي ومدى التزامه بحماية الفئات الأكثر ضعفاً. وأوضحت أن التقرير يشكل دعوة واضحة للتحرك، حيث يستعرض التقدم المحرز خلال السنوات الماضية، ويحدد التحديات المستمرة، كما يسلط الضوء على آفاق جديدة للعمل الدولي المشترك.

أكثر من 120 إسهاماً

وأشارت إلى أن إعداد التقرير استند إلى مشاورات واسعة مع مختلف أصحاب المصلحة، حيث تلقت أكثر من 120 إسهاماً من حكومات ومنظمات دولية وخبراء ومؤسسات مجتمع مدني، إضافة إلى الاستفادة من خبراتها الميدانية ومن مراجعة الدراسات والأبحاث والاجتماعات التي عقدتها مع الجهات المعنية.

وأوضحت المقررة الخاصة أن السنوات الأخيرة شهدت تقدماً ملموساً في الجهود العالمية لمكافحة بيع الأطفال واستغلالهم جنسياً، حيث قامت العديد من الدول بتعزيز أطرها القانونية وتجريم هذه الجرائم بما يتماشى مع المعايير الدولية، كما ازداد الوعي بطبيعة هذه الجرائم المترابطة، خصوصاً مع تداخل الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي والاعتداء عبر الإنترنت.

وأشارت إلى أن التعاون الدولي شهد تطوراً ملحوظاً، إلى جانب اعتماد نهج أكثر تركيزاً على الضحايا، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، خاصة في مجالي التكنولوجيا والسياحة، وهو ما يعكس إمكانية تحقيق تقدم حقيقي عندما تتوافر الإرادة السياسية والموارد والشراكات الفعالة.

وفي إطار تطوير ولايتها، أوضحت المقررة الخاصة أن اعتماد مصطلح جديد للولاية يمثل خطوة مهمة نحو الابتعاد عن المصطلحات التي قد تسهم في وصم الضحايا، ما ينسجم مع لغة تحترم كرامة الأطفال وحقوقهم. كما أكدت التزامها بتعزيز مشاركة الأطفال والشباب في صياغة السياسات والبرامج المتعلقة بحمايتهم، مشيرة إلى تعيين مستشار شبابي في إطار عمل الولاية بهدف تعزيز فهم أعمق للتحديات التي يواجهها الأطفال وإيصال أصواتهم إلى صناع القرار.

حجم وخطورة الانتهاكات

ورغم هذا التقدم، شددت المقررة الخاصة على أن حجم وخطورة الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال لا يزالان يثيران القلق، حيث يستمر بيع الأطفال والاتجار بهم واستغلالهم جنسياً في العديد من السياقات، وغالباً ما تحدث هذه الجرائم في الخفاء وتظل دون معالجة كافية.

وأضافت أن التقرير يسلط الضوء على عدد من التحديات المستمرة، ومنها ضعف التنفيذ الفعلي للتشريعات القائمة، وغياب التنسيق بين الأنظمة القانونية والمؤسسية في بعض الدول، إضافة إلى محدودية القدرات التقنية اللازمة للتصدي لهذه الجرائم. كما أشارت إلى أن جهود الوقاية والكشف المبكر لا تزال غير كافية في العديد من الحالات، حيث تأتي الاستجابات غالباً بعد وقوع الضرر.

ولفتت إلى أن نقص البيانات والإحصاءات الدقيقة يحد من قدرة الحكومات على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة، في حين يظل دور القطاع الخاص في الوقاية والاستجابة إلى حد كبير طوعياً، الأمر الذي يستدعي تطوير آليات مساءلة أكثر قوة وفعالية.

وأكدت المقررة الخاصة أن طبيعة الاستغلال الجنسي للأطفال تتغير بسرعة في ظل التوسع في استخدام التكنولوجيا الرقمية، حيث يواجه الأطفال مخاطر متزايدة نتيجة التطورات التقنية المتسارعة، ومنها استخدام الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في تسهيل الاستغلال والاعتداء.

كما أشارت إلى أن النزاعات المسلحة والكوارث المرتبطة بتغير المناخ والأزمات الاقتصادية تسهم في زيادة هشاشة الأطفال، ما يخلق بيئات أكثر عرضة للاستغلال. وأضافت أن توسع بعض الصناعات الاقتصادية قد يزيد أيضاً من مخاطر الاستغلال في بعض السياقات.

النظر في الاستراتيجيات الحالية

وشددت على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب إعادة النظر في الاستراتيجيات الحالية وتحديث الأطر القانونية والتقنية بما يواكب التطورات المتسارعة، مع الاستثمار في حلول تكنولوجية متقدمة قادرة على التصدي للجرائم الرقمية.

ودعت المقررة الخاصة الدول الأعضاء إلى تعزيز الأطر القانونية وتجريم جميع أشكال الاستغلال، إضافة إلى الاستثمار في الأمن الرقمي وتنظيم استخدام التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والمحتوى الرقمي، وتعزيز الرقابة على المنصات الإلكترونية.

كما أكدت أهمية اعتماد نهج وطني متكامل يضمن التنسيق بين المؤسسات المعنية، حيث يؤدي غياب التنسيق في كثير من الأحيان إلى استجابات مجزأة تؤثر في جودة الخدمات المقدمة للأطفال الضحايا.

وفي سياق عرض نتائج الزيارات القطرية، استعرضت المقررة الخاصة نتائج زيارتها إلى ألمانيا في أكتوبر 2024، حيث عقدت سلسلة اجتماعات مع مسؤولين حكوميين وخبراء وممثلين عن مؤسسات معنية بحماية الأطفال. وأشارت إلى أن ألمانيا تبذل جهوداً لتعزيز أطرها القانونية والمؤسسية لمكافحة الاعتداء الجنسي على الأطفال وحمايتهم.

زيارة إلى الإمارات

كما استعرضت نتائج زيارتها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة التي جرت خلال الفترة من 14 إلى 24 أبريل 2025، حيث عقدت اجتماعات في مختلف إمارات الدولة مع مسؤولين حكوميين وممثلين عن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان وأكاديميين ومنظمات مجتمع مدني ووكالات أممية ومقدمي خدمات حماية الطفل.

وأوضحت أن الإمارات حققت تقدماً ملحوظاً في مجال حماية الطفل منذ الزيارة السابقة عام 2009، من خلال تطوير أطر تشريعية ومؤسسية وسياساتية متقدمة تهدف إلى حماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال والاعتداء.

وأشارت إلى أن مبدأ المصلحة الفضلى للطفل أصبح مدمجاً في العديد من السياسات والبرامج الحكومية، إلى جانب إطلاق مبادرات تهدف إلى تمكين الأطفال وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر الاعتداء الجنسي على الأطفال ومكافحة ثقافة الصمت المحيطة بهذه الجرائم.

وفي ختام عرضها أعربت المقررة الخاصة عن امتنانها لمجلس حقوق الإنسان ولجميع الجهات التي تعاونت معها خلال فترة ولايتها، مؤكدة أن شجاعة الأطفال والشباب الذين شاركوا تجاربهم شكلت مصدر إلهام كبيراً لعملها، ومشددة على أن بيع الأطفال واستغلالهم جنسياً والاعتداء عليهم ليس أمراً حتمياً، بل يمكن منعه من خلال الإرادة السياسية والعمل الدولي المشترك.

وخلال الحوار التفاعلي، استعرضت ألمانيا الجهود التي تبذلها لتعزيز منظومة حماية الأطفال، مشيرة إلى اعتماد تشريعات جديدة لتعزيز الهياكل المؤسسية لمكافحة الاعتداء الجنسي على الأطفال، إضافة إلى إنشاء مفوض اتحادي مستقل ومجلس للناجين ولجنة تحقيق اتحادية في هذه الجرائم.

كما أكدت أن الحكومة الاتحادية تعمل على تعزيز آليات الإحالة الوطنية وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية، إضافة إلى الاستثمار في الموارد اللازمة لمواجهة التحديات المرتبطة بزيادة عدد الحالات، مع التركيز بشكل خاص على الجرائم المرتبطة بالبيئة الرقمية.

تعزيز حماية الأطفال

من جانبها، أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة التزامها المستمر بتعزيز حماية الأطفال والتعاون البناء مع آليات الأمم المتحدة، مشيرة إلى أنها قدمت خلال زيارة المقررة الخاصة جميع التسهيلات اللازمة لضمان نجاح الزيارة، ومنها تنظيم زيارات ميدانية وعقد اجتماعات مع مختلف الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية ومنظمات المجتمع المدني.

وأوضحت الإمارات أن التقرير أبرز التقدم الكبير الذي تحقق منذ الزيارة السابقة عام 2009، حيث أجرت الدولة إصلاحات تشريعية ومؤسسية واسعة لمكافحة جميع أشكال الاعتداء على الأطفال واستغلالهم جنسياً، ومنها تطوير التشريعات الوطنية وتعزيز آليات الحماية المؤسسية.

كما استعرضت الإمارات عدداً من المبادرات الجديدة، ومنها إنشاء وزارة الأسرة وإعلان عام 2026 عاماً للأسرة، في خطوة تعكس التزام الدولة بتعزيز دور الأسرة باعتبارها الركيزة الأساسية لحماية الأطفال وضمان رفاههم.

وعلى صعيد المجموعات الإقليمية، أكدت هولندا في بيان مشترك باسم بلجيكا ولوكسمبورغ ومملكة هولندا أن حماية الأطفال تتطلب إرادة سياسية مستدامة وتعاوناً دولياً وثيقاً، خاصة في مواجهة المخاطر المتزايدة المرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية والاستغلال العابر للحدود.

كما شدد الاتحاد الأوروبي على التزامه بمكافحة الاعتداء الجنسي على الأطفال من خلال تعزيز التشريعات الأوروبية وتنظيم الفضاء الرقمي، ومنه إلزام الشركات الرقمية باتخاذ إجراءات لمنع انتشار المواد المسيئة للأطفال وإزالة المحتوى غير القانوني.

تكثيف الجهود الدولية

من جانبها، أكدت المملكة العربية السعودية في بيان باسم المجموعة العربية أهمية تكثيف الجهود الدولية للقضاء على جميع أشكال استغلال الأطفال، مشددة على ضرورة تبادل الخبرات وبناء القدرات وتعزيز آليات الوقاية ضمن السياسات الوطنية لحماية الطفل.

بدورها، أشارت كينيا في بيان باسم المجموعة الإفريقية إلى أهمية معالجة التحديات المرتبطة بضعف البيانات ونقص التوعية الرقمية، مؤكدة أن الاتحاد الإفريقي اعتمد سياسات لتعزيز سلامة الأطفال على الإنترنت في إطار أجندة الطفل الإفريقي 2040.

كما شددت دول الشمال والبلطيق في بيان قدمته ليتوانيا على ضرورة تطوير تشريعات شاملة لمكافحة الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت وتعزيز التعليم والتوعية المجتمعية لحماية الأطفال من المخاطر الرقمية.

وفي ختام النقاش أكد المشاركون أهمية تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات لضمان حماية الأطفال في جميع أنحاء العالم، ويشمل ذلك تمتعهم بحقوقهم الأساسية والعيش في بيئة آمنة تحميهم من جميع أشكال الاستغلال والاعتداء.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية