مجلس حقوق الإنسان يناقش إدماج حقوق الطفل في النزاعات المسلحة ومسارات التعافي

مجلس حقوق الإنسان يناقش إدماج حقوق الطفل في النزاعات المسلحة ومسارات التعافي
ندى الناشف، نائبة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان

شهدت الدورة الحادية والستون لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، اليوم الاثنين، انعقاد الاجتماع الثالث والعشرين الذي خُصص جزؤه الثاني لاستكمال النقاش السنوي حول حقوق الطفل، وذلك وفقاً لقراري المجلس 29/7 و29/55. 

وركزت الجلسة المسائية على قضية إدماج حقوق الأطفال في سياق النزاعات المسلحة، إضافة إلى بحث سبل التعافي والإنصاف للأطفال المتضررين من الحروب، في ظل تصاعد الانتهاكات المرتكبة بحقهم في عدد من مناطق النزاع حول العالم.

وافتتحت الجلسة ندى الناشف، نائبة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بكلمة شددت فيها على أن النقاش الذي بدأ خلال الجلسة الصباحية أكد ضرورة تعزيز الجهود الدولية لحماية الأطفال في النزاعات المسلحة والعمل على منع الانتهاكات قبل وقوعها.

وأوضحت أن الأطفال في مناطق النزاع يواجهون أضراراً متزايدة على مستويات متعددة، تشمل الأذى الجسدي والنفسي والاجتماعي والنمائي، في وقت تشهد فيه النزاعات المعاصرة انتهاكات صارخة لقواعد القانون الدولي الإنساني.

وأشارت الناشف إلى أن الاستخدام المتزايد للأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان أدى إلى ارتفاع عدد الضحايا من الأطفال، سواء نتيجة القتل المباشر أو الإصابات التي تترك آثاراً دائمة في حياتهم. كما لفتت إلى استمرار ظاهرة تجنيد الأطفال في صفوف القوات والجماعات المسلحة في العديد من النزاعات، وهو ما يمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي. 

وبيّنت أن أكثر من ثلاثة آلاف طفل احتُجزوا خلال عام 2024 بسبب ارتباطهم الفعلي أو المزعوم بأطراف النزاع، في حين يتعرض آخرون للعنف الجنسي المرتبط بالحروب، الذي بات يُستخدم بشكل متزايد بوصفه سلاحاً لإرهاب المجتمعات.

العنف ضد الأطفال

وأوضحت أن البيانات الموثقة تشير إلى ارتفاع مقلق في حالات العنف الجنسي ضد الأطفال، إذ تضاعف تقريباً عدد الأطفال الذين تعرضوا للاغتصاب أو غيره من أشكال الاعتداء الجنسي في السودان بين عامي 2021 و2024، كما وثق مكتب المفوضية السامية ما لا يقل عن 223 طفلاً تعرضوا لمثل هذه الانتهاكات خلال العام الماضي، مع تأكيد أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير نظراً لعدم الإبلاغ عن عدد كبير من الحالات. 

ولفتت إلى أن هذه الجرائم تخلّف آثاراً طويلة الأمد، تشمل الصدمات النفسية والأمراض المنقولة جنسياً وحالات الحمل غير المرغوب فيه، فضلاً عن تأثيراتها الخطيرة في النمو العصبي والمعرفي للأطفال.

وأكدت الناشف أن المجتمع الدولي اتخذ خلال السنوات الماضية بعض الخطوات لمعالجة هذه الانتهاكات، ومنها سنّ قوانين وطنية لدعم الأطفال الناجين من العنف المرتبط بالنزاعات، إضافة إلى إطلاق برامج لإعادة دمج الأطفال الذين جرى تجنيدهم في صفوف الجماعات المسلحة. 

وأشارت إلى أنه منذ عام 2000 تم إطلاق سراح أكثر من 210 آلاف طفل من القوات والجماعات المسلحة عبر خطط عمل دعمتها الأمم المتحدة مع أطراف النزاع.

ورغم هذه الجهود، شددت على أن التحديات ما تزال كبيرة؛ إذ نادراً ما تُجرى تحقيقات فعالة في الجرائم المرتكبة بحق الأطفال أثناء النزاعات، كما أن محاسبة المسؤولين عنها لا تزال محدودة، مضيفة أن حرمان الأطفال من العدالة لا يضر بهم وحدهم، بل يمتد أثره إلى أسرهم ومجتمعاتهم، ويؤثر في الأجيال القادمة.

تحقيقات فورية ومستقلة

ودعت الناشف الدول إلى اتخاذ خطوات عملية في هذا المجال، تبدأ بإجراء تحقيقات فورية ومستقلة ونزيهة في جميع الانتهاكات المرتكبة ضد الأطفال خلال النزاعات المسلحة، مؤكدة أن المساءلة لا يمكن أن تتحقق دون توافر معلومات موثوقة. 

كما شددت على ضرورة تمكين الأطفال من الإبلاغ عن الانتهاكات بأمان من خلال إنشاء آليات مناسبة لتلقي الشكاوى وتقديم الدعم القانوني للضحايا الذي يراعي احتياجاتهم.

وفي سياق متصل، أكدت أن الأطفال المرتبطين بالقوات أو الجماعات المسلحة ينبغي التعامل معهم بوصفهم ضحايا في المقام الأول، الأمر الذي يستدعي إنهاء احتجازهم التعسفي والعمل على تسريحهم وإلحاقهم ببرامج حماية ورعاية متخصصة.

كما دعت الدول إلى تخصيص موارد كافية لدعم برامج إعادة الإدماج طويلة الأمد، ومنها التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي.

النزوح وفقدان المنازل

وخلال الجلسة، عُرضت رسالة مصورة للطفلة الفلسطينية سارة البالغة من العمر 16 عاماً، والتي تعيش في أحد مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، وقد نقلت في رسالتها واقع الأطفال الفلسطينيين الذين يعيشون تحت وطأة النزوح والعنف، مشيرة إلى أن كثيراً من الأطفال يكبرون وهم يحملون آثار الصدمات النفسية نتيجة ما يشهدونه من أحداث يومية.

وأوضحت أن النزوح وفقدان المنازل والمدارس أصبح واقعاً يعيشه عدد كبير من الأطفال، مؤكدة أن فقدان المنزل لا يعني فقط خسارة المأوى، بل فقدان الشعور بالأمان والاستقرار والطفولة نفسها. كما تحدثت عن التحديات المرتبطة بالحصول على التعليم والرعاية الصحية، في ظل القيود المفروضة والنزوح المتكرر.

وأكدت سارة أن الأطفال لا يريدون أن يُنظر إليهم بوصفهم ضحايا فقط، بل يرغبون في أن يكون لهم دور في صياغة آليات العدالة والمساءلة التي تتعلق بمستقبلهم، داعية المجتمع الدولي إلى ضمان توفير بيئات آمنة تتيح للأطفال التعبير عن آرائهم بكرامة واحترام.

ومن جانبه، أشار روبرت تويا، المنسق الخاص لشؤون الأطفال في مناطق النزاع لدى اللجنة الإفريقية للخبراء المعنية بحقوق الطفل ورفاهيته، إلى أهمية تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني وضمان اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة. 

وأكد أن فعالية هذه التدابير تعتمد على قوة الأنظمة الوطنية وقدرتها على تنفيذ الالتزامات القانونية بشكل فعلي.

إدماج أصوات الأطفال

بدورها، شددت هيزل ديويت، نائبة مدير مكتب برامج الطوارئ في اليونيسف، على أن إدماج أصوات الأطفال في آليات العدالة والمساءلة يمثل خطوة أساسية لضمان حماية حقوقهم. 

وأوضحت أن مشاركة الأطفال في هذه العمليات يجب أن تتم بطريقة آمنة وطوعية، مع توفير ضمانات كافية تحول دون تعرضهم لمزيد من الأذى.

كما أكدت أن آلية الرصد والإبلاغ عن الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال التي أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1612 عام 2005، تشكل أداة محورية في الجهود الدولية لحماية الأطفال، إذ توفر بيانات موثوقة تساعد في توثيق الانتهاكات وتعزيز المساءلة. 

وأشارت إلى أن هذه الآلية أسهمت في توقيع عشرات خطط العمل بين الأمم المتحدة وأطراف النزاع لمنع تجنيد الأطفال وإطلاق سراحهم وإعادة إدماجهم في المجتمع.

العنف في سياق النزاعات

من جهتها، أوضحت كلارا ساندوفال، مديرة البرامج في صندوق التميز العالمي للناجين، أن الأطفال المتضررين من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات غالباً ما يتم استبعادهم من عمليات العدالة والتعويض، رغم أنهم من أكثر الفئات تأثراً بهذه الجرائم. 

وأشارت إلى أن ما لا يقل عن 1938 طفلاً تعرضوا للعنف الجنسي في سياق النزاعات خلال عام 2024، وهو أعلى رقم مسجل حتى الآن.

وأكدت أن التعويض ينبغي ألا يقتصر على الأطر القانونية، بل يجب أن يشمل إجراءات عملية تعالج الأضرار الجسدية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية التي يتعرض لها الأطفال. 

واعتبرت أن التعليم يمثل أحد أهم أشكال التعويض؛ لأنه يساعد الأطفال على استعادة الثقة بأنفسهم ويوفر لهم بيئة آمنة للتعافي وإعادة بناء حياتهم.

وفي مداخلات الدول، شدد الاتحاد الأوروبي على أن الأطفال غالباً ما يكونون أول ضحايا النزاعات المسلحة وأكثرهم تضرراً منها، مؤكداً أن المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة بحقهم ليست خياراً بل التزام قانوني وأخلاقي.

وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يعمل من خلال مبادئه التوجيهية وبرامجه الإنسانية على دعم آليات الرصد والتوثيق وتوفير المساعدات الأساسية للأطفال في مناطق النزاع، ومنها الغذاء والتعليم والرعاية الصحية والحماية.

تعزيز الجهود الدولية

كما قدمت كرواتيا بياناً نيابة عن مجموعة من الدول شملت النمسا وسلوفينيا، أكدت فيه أن النزاعات المسلحة ما تزال تشكل أحد أخطر التهديدات التي تواجه حقوق الطفل على المستوى العالمي، إذ تقوض معظم الضمانات التي تنص عليها اتفاقية حقوق الطفل. 

وشددت على ضرورة تعزيز الجهود الدولية لمنع الانتهاكات وضمان حصول الأطفال المتضررين على الحماية والدعم اللازمين للتعافي وإعادة بناء حياتهم.

واختتمت الجلسة بتأكيد أن حماية الأطفال في النزاعات المسلحة تتطلب التزاماً دولياً متواصلاً، ليس فقط من خلال تعزيز الأطر القانونية والآليات الدولية، بل أيضاً عبر توفير الموارد الكافية لضمان إعادة تأهيل الأطفال المتضررين وإعادة إدماجهم في مجتمعاتهم، ما يمكّنهم من استعادة حياتهم والمشاركة في بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية