سكن مفقود وبطالة وديون متزايدة.. أزمات تهدد أكثر من مليوني عائد إلى أفغانستان

سكن مفقود وبطالة وديون متزايدة.. أزمات تهدد أكثر من مليوني عائد إلى أفغانستان
عودة اللاجئين والنازحين الأفغان

 

شهدت أفغانستان منذ بداية 2024 موجة عودة واسعة من دول الجوار، إذ أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن أكثر من مليونين من المواطنين الأفغان عادوا أو أُجبروا على العودة خلال فترات متقاربة، واصطدمت هذه الحركة الواسعة بقدر محدود من الاستعدادات الوطنية والدولية لاستيعاب العائدين وتأمين حاجاتهم الأساسية.

"جسور بوست" تستعرض في التحليل التالي أسباب الأزمة المعيشية التي تواجه العائدين، وتبعاتها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، ردود فعل الجهات الدولية والحقوقية، والإطار القانوني والاقتراحات العملية للتعامل مع التحدي. 

باتت عودة النازحين الأفغان من إيران وباكستان خلال 2025 ظاهرة متميزة من حيث الحجم والسرعة، ودفع إليها مزيج من سياسات بلدان الاستضافة التي شجعت أو أجبرت على المغادرة، بالإضافة إلى هشاشة اقتصادية متصاعدة في بلدان اللجوء، وتراجع الدعم الدولي، وتصاعد مشاعر العداء والكراهية ضد اللاجئين، وقد أدّت زيادة وتيرة عمليات الطرد والإجراءات الإدارية في باكستان وإيران إلى دفعات ضخمة من العائدين الذين يصل كثير منهم دون موارد كافية، فيما تسجل المفوضية الأممية المعنية بشؤون اللاجئين والمنظمات الإنسانية نقصاً حاداً في التمويل والقدرات للاستجابة.

أوضاع معيشية قاسية فور الوصول

تُظهر مسوح ما بعد العودة التي أجرتها مفوضية شؤون اللاجئين أن المشكلات تتجسد بسرعة في نقص السكن الملائم، وانخفاض فرص العمل، وارتفاع الدين بين الأسر العائدة، وانعدام الأمن الغذائي، كما تكشف بيانات رسمية أن ما يقرب من تسعين في المئة من العائلات العائدة كانت مدينة عند وصولها، وأن هذا العبء ازداد خلال الأشهر الأولى من الإقامة، فيما يعاني أكثر من نصف الأسر من نقص في الغذاء بما يؤشر إلى أزمة أمن غذائي متسعة، والتحسن الطفيف في توظيف الرجال لا يرقى إلى مواجهة التدهور العام، خصوصاً أن الدخل لا يكفي لسد الاحتياجات وسداد الديون المتراكمة.

النساء الخاسرة الأكبر 

تفاصيل المسوح تسلط ضوءاً خاصاً على وضع النساء العائدات، فقد تراجعت معدلات تشغيل النساء في عهد حركة طالبان خلال ستة أشهر من 42% إلى 39%، ومتوسط أجورهن انخفض بنحو 23%، فيما تعاني النساء نقصاً حاداً في الوثائق والاتصالات الأساسية؛ نحو ربع النساء لا يملكن هاتفا محمولا، وواحد من كل خمسة لا يمتلك بطاقة هوية وطنية، وأدت هذه الفجوات إلى استبعاد واسع للنساء من فرص العمل والرعاية والخدمات القانونية، ما يضاعف هشاشة أسر تقودها نساء أو تضم فئات معرضة للخطر وفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة.

آليات الاستجابة الميدانية وحدودها

الاستجابة الإنسانية ركّزت على التدخلات الطارئة من خلال توزيع مواد إغاثية، ودعم صحي أولي وتقديم مساعدات نقدية محدودة، ومع ذلك، تشير المراقبة إلى أن المعونات الطارئة لا تعالج عوامل الضعف البنيوية؛ فغياب سوق عمل مستدام، وضعف البنية التحتية المحلية، وقلة التمويل لتنمية سبل العيش تحول دون قدرة العائدين على تحقيق الاكتفاء، كما أن القيود على عمل النساء والتعليم في بعض المناطق تزيد من تعقيد الحلول. 

ردود الفعل الدولية والمنظمات الحقوقية 

دعت مفوضية اللاجئين والوكالات الإنسانية والدول المانحة إلى زيادة التمويل والتركيز على برامج خلق فرص عمل مستدامة، وإعطاء الأولوية للأسر التي ترأسها نساء والفئات الأشد ضعفاً، وقد أكدت منظمات دولية مثل مكتب حقوق الإنسان والأمم المتحدة للمرأة على مخاطر إقصاء النساء والحاجة إلى ضمانات قانونية وخدمات أساسية، كذلك طالبت منظمات إغاثية بعمل مشترك بين قطاعات الحماية والتنمية لاستهداف الديون وإعادة بناء السكن وتحسين الوصول إلى الأسواق والخدمات. 

الإطار القانوني والالتزامات الدولية

على المستوى الدولي، تؤكد المبادئ المنهجية للمفوضية أن العودة يجب أن تكون طواعية وآمنة وكريمة، وأن على الدول والجهات الفاعلة التنسيق مع المفوضية لضمان حماية المُعادين وإتاحة الوصول إلى الخدمات الأساسية، كما تُذكّر المعايير الدولية بواجبات حماية حقوق الإنسان وعدم التمييز، وبتوفير إمكانية الوصول إلى الوثائق المدنية وسبل العدالة التي تمكّن العائدين من استعادة حقهم في العمل والتعليم والسكن، وتنفيذ هذه الالتزامات يواجه تحديات عملية كبيرة في بيئة تخضع لقيود سياسية وأمنية واقتصادية. 

تداعيات طويلة المدى 

إذا ما استمر تدهور أوضاع العائدين ستتفاقم المخاطر ممثلة في الفقر المتزايد والبطالة والتي يمكن أن يخلقا دوائر من الاستبعاد الاجتماعي، وكذلك صفقات العمل غير الآمنة، وزيادة الهجرة غير النظامية مجدداً، كما أن الاقتصاد المحلي الذي لا يمتلك قدرة على استيعاب ملايين العائدين سيواجه ضغوطاً على الخدمات العامة والأسواق، ما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والسياسي داخل البلاد وعلى قدرة المجتمعات المضيفة في المناطق الحدودية. 

توصيات عملية فورية وقابلة للتنفيذ

أوصت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وغيرها من المنظمات الحقوقية والإنسانية بتوسيع برامج النقد الطارئ الموجه للأسر الأكثر هشاشة مع ربطها ببرامج خلق وظائف مؤقتة ومدروسة، وإعطاء أولوية تمكين الهوية والإجراءات الإدارية لمنع حرمان الأسر من الخدمات وفرص العمل، واستثمارات مستديمة في البنية التحتية المحلية والأسواق الزراعية وتسهيل الوصول إلى المدخلات والتمويل الصغير، بجانب ضمان تدخلات خاصة لتمكين النساء وحمايتهن من الاستغلال عبر برامج تعليمية ومهنية مدعومة وحماية قانونية، وأخيراً، دعوة المجتمع الدولي لتكثيف الدعم المالي وتنسيق الجهود بين وكالات الأمم المتحدة والمانحين لضمان استدامة برامج الدمج. 

تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين أن العودة الواسعة إلى أفغانستان تمثل فرصة لإعادة بناء حياة ملايين المواطنين، لكنها أيضاً اختبار حقيقي لالتزامات المجتمع الدولي والسلطات المحلية تجاه حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وتحويل مسار العودة من بقاء هش ومؤقت إلى اندماج مستدام يتطلب تمويلات أكبر، وسياسات مدروسة لحماية النساء وإصلاحات إدارية تضمن الحق في الهوية والخدمات، وتعاوناً متعدد الأطراف يجمع بين الاستجابة الإنسانية والتنمية طويلة الأمد، وإهمال هذه المعادلة سيؤدي إلى تضخيم معاناة العائدين ويقوّض أي أمل في استقرار طويل الأمد. 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية